سابعا : جاءت في حبّ النّاس الأشياء 7 آيات ( 60 - 66 ) وفي كلّ بحوث :
ألف - ( 60 )
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ :
1 - قد مضى البحث في « البرّ » عموما وفي هذه الآية خصوصا في « ب ر ر » ج 5 : 276 ، وفيها هناك ملازمة بين التّخلّي عمّا يحبّه الإنسان بإنفاقه وبين البرّ ، وهذا من أحرج الأمور . . .
2 - والإنفاق ممّا يحبّه الإنسان ينصرف إلى المال ، ولك أن تعمّه إلى الجاه والقدرة ونحوهما ، فإنّ الإنسان يحبّ الجاه مثلا ، والإنفاق منه أن يستفيد منه لحلّ مشاكل الإخوة المؤمنين ، فيصرف جاهه في مسير الشّفاعة للنّاس ، عند ذوي السّلطة والقدرة .
3 - فسّر الطّبرسيّ ج 1 : 473 ( ما تحبّون ) بالمال ، لأنّ جميع النّاس يحبّون المال ، وأضاف : « وقيل : ما تحبّون من نفائس أموالكم دون أرذلها ، كقوله تعالى :
وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ
البقرة : 267 ، وقيل :
وهذا الزّكاة الواجبة ، وما فرضه اللّه في الأموال عن ابن عبّاس ، وقيل : هو جميع ما ينفقه المرء في سبيل الخيرات عن مجاهد . . . » .
وقال الطّباطبائيّ ج 3 : 344 : « . . . إنفاق المال على حبّه ، أحد أركان البرّ الّتي لا يتمّ إلّا باجتماعها ، نعم جعل الإنفاق غاية لنيل البرّ لا يخلو عن العناية والاهتمام بأمر هذا الجزء بخصوصه ، لما في غريزة الإنسان من التّعلّق القلبيّ بما جمعه من المال ، وعدّه كأنّه جزء من نفسه ، إذا فقده فكأنّه فقد جزء من حياة نفسه ، بخلاف سائر العبادات والأعمال - يعني غير الإنفاق - الّتي لا يظهر معها فوت ولا زوال منه .
ومنه يظهر ما في قول بعضهم : إنّ البرّ هو الإنفاق ممّا تحبّون ، وكأنّ هذا القائل جعلها من قبيل قول القائل :
« تنجو من ألم الجوع حتّى تأكل ، ونحو ذلك ، لكنّه محجوج بما مرّ من الآية . . . » .
ب - ( 61 )
فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ :
1 - جاءت عن قول سليمان إذ عرض عليه بالعشيّ - أي آخر النّهار - الصّافنات - أي الخيل الواقفة على ثلاث قوائم الواضعة طرف السّنبك الرّابع على الأرض ، الجياد - أي السّريعة المشي الواسعة الخطو ، فقال : إنّي أحببت حبّ الخير - وهو الخيل - عن ذكر ربّي - أي آثرت حبّ الخيل على ذكر ربّي ، أي شغلته الخيل عن صلاة العصر ، حتّى توارت الشّمس وغابت . . .
2 - « حبّ الخير » نصب على أنّه مفعول به ، والتّقدير : اخترت حبّ الخير ، فيكون « أحببت » بمعنى « استحببت » مثل ( 73 ) :
الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ
أي يؤثرونها ، قاله الطّبرسيّ : ج 4 :
474 ، وحكى فيها كلاما عن أبي عليّ ، معناه أنّي لزمت الأرض لحبّ الخير معرضا عن ذكر ربّي .
ولك أن تجعل ( حبّ الخير ) مفعولا نوعيّا للفعل ، ولعلّه أظهر . وقيل ( الخير ) المال الكثير كما في
إِنْ تَرَكَ خَيْراً
البقرة : 180 ، وفيها بحوث ، لاحظ « سليمان ، وخير » .
ج - ( 62 )
وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ .