بشأن الكفّار أيضا ، فقبل ( 72 )
. . . وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ . . .
وقبل : ( 73 )
وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ ،
ولم تأتيا بشأن المؤمنين .
فعلامة الكفر إذا استحباب الحياة الدّنيا على الآخرة ، فالمؤمن مهما كان عاصيا لا يستحبّ الحياة الدّنيا على الآخرة وإن كان محبّا لها .
3 - وجاء في ( 73 ) وصفا للكفّار
الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ
بصيغة المضارع الدّالّة على الدّوام فيستظهر منها أنّ الكافر يديم هذا الاستحباب .
عاشرا : جاءت « الإحبّاء » مرّة واحدة ( 74 ) وقالت اليهود والنّصارى نحن أبناء اللّه وأحبّاؤه قل فلم يعذّبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممّن خلق يغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء وفيها بحوث :
1 - « الأحبّاء » جمع الحبيب ، مثل « الأخلّاء والخليل » .
2 - شارك القرآن الفريقين اليهود والنّصارى في ادّعائهم أمرين عظيمين : أنّهم أبناء اللّه ، وأنّهم أحبّاء اللّه ، تنديدا لهم على غلوائهم ، وتفضيل أنفسهم على الطّوائف الأخرى ، كأنّهما مستثناة من قانون عقوبة اللّه المسيئين ، ثمّ ردّ على هذه الدّعوى :
أوّلا : بأنّهم لو كانوا كذلك فلم يعذّبهم اللّه بذنوبهم ، فإنّ الأب والمحبّ يعفوان أبناءهم وأحبّاءهم .
وثانيا : بأنّهم بشر كسائر البشر فاللّه لا يفرّق بينهم ، بل يغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء ، وطبعا تجري مشيّته في الغفران والعذاب طبق الحكمة والحساب .
ثالثا : بأنّ اللّه ملك السّماوات والأرض وما بينهما ، فقربه وبعده عن الأمم والأقوام سواء ، وليس هو أقرب إلى بعضهم من بعض ، كي يفضّل بعضهم على بعض ، وإنّ أكرمهم عند اللّه أتقاهم .
رابعا : مصير كلّهم إلى اللّه فيجازيهم حسب أعمالهم .
3 - مجيء ( احبّاء ) مرّة واحدة استنادا إلى ادّعاء اليهود والنّصارى مشعر بذمّ هذه الدّعوى من كلّ أحد ، وأنّ اللّه ليس له حبيب ولا علاقة بينه وبين أحد من سنخ ما بين الأحبّاء ، لاحظ « ب ن و : أبناء » .
الحادي عشر : وزّعت هذه الآيات بين المكّيّ والمدنيّ على النّحو التّالي :
1 - آيات حبّ اللّه الأخيار - وهي 16 آية - كلّها مدنيّة لأنّهم - واللّه أعلم - تمثّلوا وتبّرزوا بخصالهم الحميدة المستقرّة ، في « المدينة » دار الهجرة والجهاد والنّضال والتّضحية ، وبها يتميّز المؤمن حقّا عن غيره .
وآيات من لا يحبّه اللّه من الأشرار - وهي 22 آية ، أي بزيادة 6 آيات على من يحبّه اللّه ، كما كانوا 13 صنفا ، بزيادة 5 أصناف على الأخيار - وكانوا 8 أصناف - سواء بين المكّيّ والمدنيّ لو كانت سورة الحجّ مكّيّة ، وإلّا فتزيد على من يحبّه اللّه بواحدة .
وهذا إن دلّ على شيء يدلّ على تساوي الأخيار والأشرار بين البلدين على الرّغم من كثرة المؤمنين في المدينة ، وقلّتهم في مكّة ، ومن استقرار الإسلام في المدينة دون مكّة .
2 - آيتا التّحابّ بين اللّه والمؤمنين مدنيّتان ، رمزا إلى أنّ محبّة اللّه بلغت أوجها في المدينة بالهجرة والجهاد حتّى تبدّلت إلى التّحابّ بينه وبين المؤمنين الصّادقين .