عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
النّور : 19 .
ح - ( 58 )
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ :
1 - قابل اللّه فيها الكراهة بالحبّ ، والخير بالشّرّ إعلاما بأنّ الإنسان يخطئ في حبّه وكراهته الأشياء وفي اختيار الخير والشّرّ ، لأنّه جاهل بها ، وأنّ اللّه هو العالم بالأشياء ، فينبغي له اختيار ما أمر اللّه به والانتهاء عمّا نهى اللّه عنه ، حتّى تقع الأمور مواقعها ، ويتّخذ الخير والشّرّ مواضعها .
2 - وقد نبّه في صدرها بأنّ اللّه كتب عليهم القتال وكان كرها لهم ، لأنّه مظنّة الهلاك والدّمار ، فهذا نموذج لغيره من الأمور ، فليس ملاك الخير نفعه العاجل وسهولته ، بل نفعه الآجل وإن كانت فيه صعوبة ، لاحظ « ك ر ه » ، « ق ت ل » : القتال ، « ش ي ء » : الأشياء » :
ط - ( 59 )
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ
وفيها بحوث :
1 - أشكلت على المفسّرين إضافة الحبّ إلى الشّهوات ( حبّ الشّهوات ) زعما منهم أنّ الشّهوة هي الحبّ ، فيكون المعنى أنّ النّاس يحبّون الحبّ ؟ فعالجه الفخر الرّازيّ بأنّ الحبّ غير الشّهوة ، فالشّهوة من فعل اللّه حيث فطر النّاس عليها ، والحبّ فعل العباد وهو أن يجعل الإنسان كلّ غرضه وعيشه في طلب اللّذّات والطّيّبات ، ثمّ شرح ذلك - وتبعه مغنيّة - بأنّ الإنسان قد يحبّ شيئا ويحبّ أن لا يحبّه ، فإنّ المسلم قد يحبّ بعض المحرّمات ، لكنّه يحبّ أن لا يحبّه ، أي يودّ من أعماق نفسه لو انقلب حبّه لهذا الشّيء بغضا ، وهذا يوشك أن يرجع عن حبّه . وقد يحبّ شيئا وهو راض ومغتبط بهذا الحبّ ، كمن اعتاد على فعل الخير ، مثل سليمان قال :
إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ
ص : 32 ، وهذا أقصى درجات الحبّ ، وصاحبه لا يكاد يرجع عنه .
وأرادوا بذلك أنّ الآية تندّد من أحبّ الشّهوات وهو راض عن حبّه لا يرجع عنه أبدا .
وقال الطّباطبائيّ : « المراد بحبّ الشّهوات : التّوغّل والانغمار في حبّها ، وهو المنسوب إلى الشّيطان دون أصل الحبّ المؤدّ في الفطرة ، وهو المنسوب إلى اللّه سبحانه » وهذا هو مغزاها عندنا .
2 - وللطّباطبائيّ بحث طويل في
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ
هل هذا التّزيين من فعل اللّه أو من فعل الشّيطان ؟ فلاحظ « ز ي ن : زيّن » وكذا الفخر الرّازيّ فيها كلام ، لاحظ النّصوص هنا .
3 - ما جاء من الأمور السّتّة في الآية : ابتداء ب « النّساء » وانتهاء ب « الحرث » هي أصول ما فطر على حبّه الإنسان ليتسنّى له العيش في هذه الدّنيا ، ويكسب بها الكمال للآخرة ، لا ليتوغّل في حبّها ويقتنع بها .
ويجعلها غاية للحياة ، فحبّها ليس مطلوبا بالذّات للدّنيا ، بل كوسيلة لحياة الآخرة ، بأن يتّخذها ذريعة للخير دون الشّرّ ، وللكمال دون الهوان ، ويهديها إلى السّعادة دون الشّقاوة ، وإلى الرّضوان دون الخسران .