وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ :
1 - جاء المفضّل فيها من الأشخاص والأقرباء خمسة ومن الأشياء ثلاثة ، وهي أهمّ ما يحبّه النّاس .
2 - وجاء المفضّل عليه ثلاثة أيضا : اللّه ورسوله وجهاد في سبيله ، وهذه أكبر وأعظم ما يحبّه المؤمنون .
3 - قابل اللّه أحبّ الأشياء عند النّاس بأحبّها عند اللّه ، فمن فضّل ما هو أحبّ عند النّاس على ما هو أحبّ عند اللّه فليتربّص عذاب اللّه ، ومنه يستظهر وجوب حبّ اللّه ورسوله ، والجهاد والتّضحية في سبيله ، فإنّ الجهاد والتّضحية في سبيل اللّه أمارة حبّ اللّه ورسوله حقّا .
4 - ( جهاد في سبيله ) جاء نكرة ، إمّا تعظيما ، أو تقليلا - وهو أقرب - أي لا يخلوا حبّ اللّه ورسوله عن حبّ شيء من الجهاد ، فلو خلا حبّهما عن أيّ جهاد فهذا لا يعدّ حبّا لهما ، والمدّعيّ له كاذب .
5 - وقد فسّر الطّوسيّ « الحبّ » هنا أيضا بالإرادة ، وأوّل حبّ اللّه بشكره وعبادته ، وحبّ الرّسول بإجلاله وإعظامه ، وحبّ الجهاد بفعله ، وقد مضى الكلام فيه .
6 - القراءة الدّارجة ( احبّ ) نصبا لكونه خبر كان ، وما ذكر قبله اسم كان ، وقال القرطبيّ : « ويجوز في غير القرآن رفع ( احبّ ) على الابتداء والخبر - أي ما قبله ابتداء و ( احبّ ) خبره - واسم كان مضمر فيها » . ولا نرى وجها لذلك إلّا أنّ حجّاجا كان يقرأه بالرّفع ، ولعلّه للفصل الطّويل بين « كان » وخبره ، لا لكونه خبرا للمبتدأ .
7 - قال الطّوسيّ : « والّذي اقتضى نزول هذه الآية محبّتهم الّتي منعتهم الهجرة » وهذا لا يصحّ ، لأنّ الآية مدنيّة من سورة التّوبة ، وهي من آخر ما نزل ، نزلت بعد غزوة تبوك ، وصدرها آيات البراءة عن المشركين الّذين عاهدوهم في الحديبيّة ، وكان جماعة منهم ولا سيّما المهاجرين كرهوا قتالهم رعاية للعهد ، واحتفاظا بالقرابة ، فنزلت خلال آيات البراءة منهم :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ . . . .
فلا دخل للآية بالهجرة ، لأنّهم قد هاجروا من قبل ، وإنّما تمنع من ولاء أقربائهم المشركين ، والقعود عن قتالهم .
تاسعا : الاستحباب جاء في أربع آيات ( 70 - 73 ) وفيها بحوث :
1 - « استحبّ في أصل اللّغة بمعنى طلب المحبّة ، وهو أبلغ من المحبّة ، وقد يأتي بمعنى « أحبّ » كما جاء « استحباب » بمعنى « أجاب » . لاحظ « ج وب : استجاب » .
ولكن في هذه الآيات جاء متعدّيا ب ( على ) ومعناه الاختيار والتّفضيل والإيثار ، أي فضّلوا وآثروا واختاروا شيئا على شيء ، ففيه معنى التّفضيل .
2 - جاء في ( 70 ) - وهي مدنيّة -
إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ
تفضيل الكفر على الإيمان ، وفي ( 71 ) - وهي مكّيّة -
فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى
تفضيل العمى على الهدى وكلتاهما جاءت بشأن الكفّار المشركين في مكّة وقوم ثمود ، وفي ( 72 و 73 ) - وهما مكّيّتان - تفضيل الحياة الدّنيا على الآخرة وكلتاهما