أصعب شأن المذنبين ، لكن عموم لفظ ( السّيّات ) يدلّ على أنّ من أتى بجميع المعاصي ثمّ تاب فإنّ اللّه يغفرها له ، فما أحسن حال التّائبين . ( 9 : 55 )
أبو حيّان : أي رجعوا إلى اللّه من بعدها ، أي من بعد عمل السّيّئات ، ( وامنوا ) : داموا على إيمانهم وأخلصوا فيه . أو تكون « الواو » حاليّة ، أي وقد آمنوا ،
إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها
أي من بعد عمل السّيّئات ، هذا هو الظّاهر .
ويحتمل أن يكون الضّمير في ( من بعدها ) عائدا على التّوبة ، أي إنّ ربّك من بعد توبتهم ، فيعود على المصدر المفهوم من قوله :
ثُمَّ تابُوا .
وهذا عندي أولى ، لأنّك إذا جعلت الضّمير عائدا على ( السّيّئات ) احتجت إلى حذف مضاف وحذف معطوف ؛ إذ يصير التّقدير : من بعد عمل السّيّئات والتّوبة منها . ( 4 : 397 )
البروسويّ : واعلم أنّ التّوبة عند المعتزلة علّة موجبة للمغفرة ، وعندنا سبب محض للمغفرة ، والتّوبة :
الرّجوع ، فإذا وصف بها العبد كان المراد بها الرّجوع عن المعصية ، وإذا وصف بها الباري تعالى أريد بها الرّجوع عن العذاب بالمغفرة .
والتّوبة على ضربين : ظاهر وباطن .
فالظّاهر : هو التّوبة من الذّنوب الظّاهرة ، وهي مخالفات ظواهر الشّرع ، وتوبتها ترك المخالفات واستعمال الجوارح بالطّاعات .
والباطن : هو توبة القلب من ذنوب الباطن ، وهي الغفلة عن الذّكر حتّى يتّصف به ؛ بحيث لو صمت لسانه لم يصمت قلبه . وتوبة النّفس : قطع علائق الدّنيا والأخذ باليسير والتّعفّف ، وتوبة العقل : التّفكّر في بواطن الآيات وآثار المصنوعات ، وتوبة الرّوح : التّحلّي بالمعارف الإلهيّة ، وتوبة السّرّ : التّوجّه إلى الحضرة العليا بعد الإعراض عن الدّنيا والعقبى . ( 3 : 248 )
فضل اللّه : فقد جعل اللّه على نفسه قبول التّوبة ممّن تاب إليه بإخلاص ، وقد سبقت رحمته غضبه تماما ، كما تاب على المشركين الّذين تمرّدوا على الرّسالة وحاربوها ، ثمّ أخلصوا للّه الإيمان ، وساروا في الخطّ المستقيم ، وجاهدوا في سبيله . ( 10 : 252 )
4 -
. . . فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ . . .
التّوبة : 5
الطّبريّ : فإن رجعوا عمّا هم عليه من الشّرك باللّه ، وجحود نبوّة نبيّه محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم إلى توحيد اللّه ، وإخلاص العبادة له ، دون الآلهة والأنداد ، والإقرار بنبوّة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم . ( 10 : 78 )
الجصّاص : لا يخلو قوله تعالى :
فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ
من أن يكون وجود هذه الأفعال منهم شرطا في زوال القتل عنهم ، ويكون قبول ذلك والانقياد لأمر اللّه تعالى فيه هو الشّرط دون وجود الفعل ، ومعلوم أنّ وجود التّوبة من الشّرك شرط لا محالة في زوال القتل ، ولا خلاف أنّهم لو قبلوا أمر اللّه في فعل الصّلاة والزّكاة ولم يكن الوقت وقت صلاة أنّهم مسلمون وأنّ دماءهم محظورة .
فعلمنا أنّ شرط زوال القتل عنهم هو قبول أوامر اللّه والاعتراف بلزومها دون فعل الصّلاة والزّكاة ، ولأنّ إخراج الزّكاة لا يلزم بنفس الإسلام إلّا بعد حول ، فغير