ب
وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ
ص : 15 ، فيسيّر اللّه تعالى عندها الجبال فتمرّ مرّ السّحاب ، فتكون سرابا ، وترجّ الأرض بأهلها رجّا ، فتكون كالسّفينة الموثقة في البحر ، أو كالقنديل المعلّق ترججه الأرواح ، فإنّه ممّا لا ارتباط له بالمقام قطعا ، والحقّ الّذي لا محيد عنه ما قدّمناه ، وممّا هو نصّ في الباب ما سيأتي من
وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ
النّمل : 89 .
( 5 : 106 )
الآلوسيّ :
وَتَرَى الْجِبالَ
عطف على ( ينفخ ) داخل في حكم التّذكير ، ( وترى ) من رؤية العين ، وقوله تعالى :
تَحْسَبُها جامِدَةً
أي ثابتة في أماكنها لا تتحرّك حال من فاعل ( ترى ) أو من مفعوله ، وجوّز أن يكون بدلا من سابقه ، وقوله عزّ وجلّ :
وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ
حال من ضمير ( الجبال ) في ( تحسبها ) ، وجوّز أن يكون حالا من ضميرها في ( جامدة ) ، ومنعه أبو البقاء لاستلزامه أن تكون جامدة ومارّة في وقت واحد ، أي وترى الجبال رأي العين ساكنة والحال أنّها تمرّ في الجوّ مرّ السّحاب الّتي تسيّرها الرّياح سيرا حثيثا ، وذلك أنّ الأجرام المجتمعة المتكاثرة العدد على وجه الالتصاق إذا تحرّكت نحو سمت لا تكاد تبين حركتها ، وعليه قول النّابغة الجعديّ في وصف جيش :
بأر عن مثل الطّود تحسب أنّهم * وقوف لحاج والرّكاب تهملج
وقيل : شبّه مرّها بمرّ السّحاب في كونها تسير سيرا وسطا ، كما قال الأعشى :
كأنّ مشيتها من بيت جارتها * مرّ السّحاب لا ريث ولا عجل
والمشهور في وجه الشّبه السّرعة ، وإنّ منشأ الحسبان المذكور ما سمعت . وقيل : إنّ حسبان الرّائي إيّاها جامدة مع مرورها ، لهول ذلك اليوم ، فليس له ثبوت ذهن في الفكر في ذلك حتّى يتحقّق كونها جامدة . وليس بذاك وقد أدمج في التّشبيه المذكور تشبيه حال ( الجبال ) بحال ( السّحاب ) في تخلخل الأجزاء وانتفاشها ، كما في
وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ
القارعة : 5 ، واختلف في وقت هذا . [ ثمّ ذكر كلام أبي السّعود وأضاف : ]
وقال بعضهم : إنّه ممّا يقع عند النّفخة الأولى وذلك أنّه ترجف الأرض والجبال ثمّ تنفصل الجبال عن الأرض وتسير في الجوّ ثمّ تسقط فتصير كثيبا مهيلا ثمّ هباء منبثّا ، ويرشد إلى أنّ هذه الصّيرورة ممّا لا يترتّب على الرّجفة ولا تعقبها بلا مهلة : العطف بالواو دون الفاء في
يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا
المزّمّل : 14 ، والتّعبير الماضي في
وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ
الكهف : 47 لتحقّق الوقوع كما مرّ آنفا ، واليوم في
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ
الآية . و
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ
إلخ يجوز أن يجعل اسما للحين الواسع الّذي يقع فيه ما يكون عند النّفخة الأولى من النّسف والتّبديل ، وما يكون عند النّفخة الثّانية من اتّباع الدّاعي والبروز للّه تعالى الواحد القهّار ، وقد حمل اليوم على ما يسع ما يكون عند النّفختين في
فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا