والحالة السّادسة : أن تكون سرابا ، فمن نظر إلى مواضعها لم يجد فيها شيئا منها كالسّراب . ( 13 : 242 )
أبو حيّان :
وَتَرَى الْجِبالَ
هو من رؤية العين ، ( تحسبها ) حال من فاعل ( ترى ) أو من ( الجبال ) ، و ( جامدة ) من جمد مكانه ، إذا لم يبرح منه ، وهذه الحال للجبال عقيب النّفخ في الصّور ، وهي أوّل أحوال الجبال تموج وتسير ، ثمّ ينسفها اللّه فتصير كالعهن ، ثمّ تكون هباء منبثّا في آخر الأمر ،
وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ
جملة حاليّة ، أي تحسبها في رأي العين ثابتة مقيمة في أماكنها وهي سائرة [ ثمّ قال نحو الزّمخشريّ وأضاف : ]
وقيل : شبّه مرورها بمرّ السّحاب في كونها تسير سيرا وسطا . [ ثمّ استشهد بشعر ]
وحسبان الرّائي الجبال جامدة مع مرورها ، قيل :
لهول ذلك اليوم ، فليس له ثبوت ذهن في الفكر في ذلك ، حتّى يتحقّق كونها ليست بجامدة . [ ثمّ نقل كلام الفخر والقرطبيّ ] ( 7 : 100 )
أبو السّعود :
وَتَرَى الْجِبالَ
عطف على ( ينفخ ) داخل في حكم التّذكير ، وقوله عزّ وجلّ :
تَحْسَبُها جامِدَةً
أي ثابتة في أماكنها ، إمّا بدل منه أو حال من ضمير ( ترى ) أو من مفعوله . وقوله تعالى :
وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ
حال من ضمير ( الجبال ) في ( تحسبها ) أو في ( جامدة ) أي تراها رأي العين ساكنة والحال أنّها تمرّ مرّ السّحاب الّتي تسيّرها الرّياح سيرا حثيثا ، وذلك أنّ الأجرام العظام إذا تحرّكت نحو سمت لا تكاد تتبيّن حركتها . [ ثمّ استشهد بشعر ]
وقد أدمج في هذا التّشبيه تشبيه حال ( الجبال ) بحال ( السّحاب ) في تخلخل الأجزاء وانتفاشها ، كما في
وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ
القارعة : 5 ، وهذا أيضا ممّا يقع بعد النّفخة الثّانية عند حشر الخلق يبدّل اللّه عزّ وجلّ الأرض غير الأرض ، يغيّر هيآتها ويسيّر الجبال عن مقارّها ، على ما ذكر من الهيئة الهائلة ، ليشاهدها أهل المحشر ، وهي وإن اندكّت وتصدّعت عند النّفخة الأولى لكن تسييرها وتسوية الأرض إنّما يكونان بعد النّفخة الثّانية ، كما نطق به
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ . . .
الآيات ، و
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
إبراهيم : 48 .
فإنّ اتّباع الدّاعي الّذي هو إسرافيل عليه السّلام وبروز الخلق للّه تعالى لا يكون إلّا بعد النّفخة الثّانية .
وقد قالوا في تفسير
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ
إنّ صيغة الماضي في المعطوف عليه مستقبلا للدّلالة على تقدّم الحشر على التّسيير والرّؤية ، كأنّه قيل : وحشرناهم قبل ذلك .
هذا وقد قيل : إنّ المراد هي النّفخة الأولى ، والفزع هو الّذي يستتبع الموت لغاية شدّة الهول ، كما في
فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ
الزّمر :
68 ، فيختصّ أثرها بمن كان حيّا عند وقوعها دون من مات قبل ذلك من الأمم .
وجوّز أن يراد بالإتيان داخرين : رجوعهم إلى أمره تعالى وانقيادهم له . ولا ريب في أنّ ذلك ممّا ينبغي أن تنزّه ساحة التّنزيل عن أمثاله .
وأبعد من هذا ما قيل : إنّ المراد بهذه النّفخة : نفخة الفزع الّتي تكون قبل نفخة الصّعق ، وهي الّتي أريدت