تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 877

مساهمون:

ص٨٧٧
بحركتها ، لأنّنا نتحرّك معها ولا يتغيّر وضعنا بالنّسبة لها ، وهذا بخلاف ما يحصل يوم القيامة ، فإنّ الجبال تنفصل عن الأرض وتنسف نسفا ، وهذا شيء يراه كلّ واقف عندها . الرّابع : ورود هذه الآية في سياق الكلام على يوم القيامة ، لورود آية
أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً
النّمل : 86 ، المذكورة قبلها في نفس هذا السّياق ، والمراد بهما ذكر شيء من دلائل قدرة اللّه تعالى ، المشاهدة آثارها في هذا العالم الآن ، من حركة الأرض وحدوث اللّيل والنّهار ، ليكون ذلك دليلا على قدرته ، على البعث والنّشور يوم القيامة . فإنّ القادر على ضبط حركات هذه الأجرام العظيمة ، لا يصعب عليه أن يعيد الإنسان ، وأن يضبط حركاته وأعماله ويحصيها عليه . ولذلك ختم هذه الآية بقوله :
إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ
فذكر هذه الأشياء في هذا السّياق ، هو كذكر الدّليل مع المدلول ، أو الحجّة مع الدّعوى ، وهي سنّة القرآن الكريم . فإنّك تجد الدّلائل منبثّة بين دعاويه دائما ، حتّى لا يحتاج الإنسان لدليل آخر خارج عنها ، وذلك شيء مشاهد في القرآن من أوّله إلى آخره ، انتهى كلامه . وقال العلّامة المرجانيّ في مقدّمة كتابه : « وفيّة الأسلاف ، وتحيّة الأخلاف » في بحث علم الهيئة ، ما مثاله : ويدلّ على حركة الأرض :
وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ
الآية ، فإنّه خطاب لجناب الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإيذان الأمر له بالأصالة مع اشتراك غيره في هذه الرّؤية . وحسبان جمود الجبال وثباتها على مكانها ، مع كونها متحرّكة في الواقع بحركة الأرض ، ودوام مرورها مرّ السّحاب في سرعة السّير والحركة . [ إلى أن قال : ] فهذه الآية صريحة في دلالتها على حركة الأرض ومرور الجبال معها في هذه النّشأة ، وليس يمكن حملها على أنّ ذلك يقع في النّشأة الآخرة أو عند قيام السّاعة وفساد العالم ، وخروجه عن متعاهد النّظام . وأنّ حسبانها جامدة لعدم تبيّن حركة كبار الأجرام إذا كانت في سمت واحد ، فإنّ ذلك لا يلائم المقصود من التّهويل على ذلك التّقدير . على أنّ ذلك نقض وإهدام ، وليس من صنع وإحكام . قال : والعجب من حذّاق العلماء المفسّرين ، عدم تعرّضهم لهذا المعنى مع ظهوره ، واشتمال الكتب الحكميّة على قول بعض القدماء ، مع أنّه أولى وأحقّ من تنزيل محتملات كتاب اللّه على القصص الواهية الإسرائيليّة ، على ما شحنوا بها كتبهم . وليس هذا بخارج عن قدرة اللّه تعالى ولا بعيد عن حكمته . ولا القول به بمصادم للشّريعة والعقيدة الحقّة ، بعد أن تعتقد أنّ كلّ شيء حادث بقدرة اللّه تعالى ، وإرادته وخلقه بالاختيار كائنا ما كان ، وهو العليّ الكبير ، وعلى ما يشاء قدير . ( 13 : 4689 ) الطّباطبائيّ : الآية بما أنّها واقعة في سياق آيات القيامة محفوفة بها ، تصف بعض ما يقع يومئذ من الآيات وهو سير الجبال . وقد قال تعالى في هذا المعنى أيضا :
وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً
النّبأ : 20 ، إلى غير ذلك . فقوله :
وَتَرَى الْجِبالَ
الخطاب للنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، والمراد به تمثيل الواقعة ، كما في قوله :
وَتَرَى النَّاسَ