تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 865

مساهمون:

ص٨٦٥
إلّا ببطء ، ففي العصر الجليديّ الأخير مثلا كانت مياه البحر المتوسّط قليلة حتّى إنّ أوربّا كانت متّصلة بأفريقيا في عدّه أماكن ، وكانت إنجلترا متّصلة بأوربّا ، وكانت آسيا متّصلة بشمالي أمريكا ، وكان مناخ مصر أبرد ممّا هو الآن ، لأنّ عصر الجليد في أوروبّا كان عصر الأمطار في مصر ، وكان جبل المقطّم وهو قاحل الآن حافلا بالحيوان والنّبات ممّا لا نزال نجد متحجّراتهما للآن . وقد انتاب العالم حسب تحقيق العلماء الآن خمسة عصور جليديّة كانت سببا في إبادة أنواع عديدة من الحيوان والنّبات ونتوء أنواع أخرى . ومن ذلك يتبيّن للقارئ أنّ جبالنا الزّاهية لن تعيش إلى الأبد فإنّها ستتحاتّ من سيلان الماء عليها ، ثمّ يثقل قعر البحر فيسيخ ويغور ، وتظهر جبال جديدة في أماكن أخرى ، وكذلك شكل قارّات العالم لم يكن كما هو الآن وظاهر من غربيّ أوروبّا وأفريقيا ومطابقته لشرقيّ أمريكا الشّماليّة والجنوبيّة ، أنّ أمريكا كانت جزء متّصلا بأوروبّا وإفريقيا . تذكرة في قوله تعالى :
أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ
الغاشية : 17 - 20 . ربّاه ! أحمدك على نعمة العلم ، وأشكرك على جميل صنعك وإبداعك ، وعلى رأفتك بنا ورحمتك ، أنت تعلم أنّ تفسير هذه السّورة آن زمان طبعه ، فأوعزت إلى أحد رجال ألمانيا اسمه « ليون » وزوجته أن يدعوا ناشر هذا التّفسير وأنا معه لسياحة في بعض جبال مصر يوم الأحد 10 شوّال سنة 1351 ه الموافق شهر يناير سنة 1933 م شرقي بلدة المعادي المصريّة الّتي في طريق « حلوان » فماذا ظهر ؟ ظهر أنّ هذه السّياحة لتحقيق تفسير هذه الآية ،
أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ
الآية ، لقد ظهر في الكشف الحديث أنّ الجبال إنّما تخلق أوّلا في البحر ، وكأنّ هذه الأرض امرأة والبحر رحمها ، وهذا الرّحم فيه مبدأ خلق كلّ شيء ، فمنه مبدأ حياة هذه الأحياء الأرضيّة ، ومنه مبدأ تكوين الجبال ، ثمّ تكون هناك تغيّرات عامّه فيصبح البرّ بحرا والبحر برّا . اللّه أكبر ! هذا الّذي كنّا نقرؤه في الكتب ، ونرى أنّهم يقولون : إنّهم رأوا في الجبال قواقع ومحارا ونحوها ممّا هو خاصّ بالبحار . رأيته أنا في ذلك اليوم رأي العين على شاطئ واد من أودية جبالنا المصريّة البعيدة عن بلدة المعادى نحو 7 كيلو مترات ، وهناك واديان أكبرهما يسمّى « وادي التّيه » الّذي حلّت فيه عساكر نابليون لمّا هجم على مصر فهلك كثير منهم ، ولقد رأيت بعيني رأسي القواقع محجّرة وأنواع المحار والصّدف وعظام السّمك ، وأنواعا من السّمك المسمّى « نجم السّمك » الّذي تقدّم في هذا التّفسير كثيرا وكلّها محجّرة ، وهكذا رأيت قطعة من الخشب محجّرة ، فدلّ ذلك على أنّ هذه كلّها كانت في بحر لجّيّ عظيم فانقلب أودية وصحارى وجبالا ، فالبرّ كان بحرا ، والبحر كان برّا ، والّذي أدهشني أنّ « ليون » الألمانيّ وزوجته كانا يعرفان هذه الأودية وصفاتها وخواصّها وهما يتوجّهان للرّياضة فيها برّا ، ويقولان : لم نر أحدا من المصريّين قطّ في هذه الأماكن وإنّما يؤمّها الأوروبّيّون ، وقد قالت زوجة ليون :