تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 864

مساهمون:

ص٨٦٤
اليابسة وتنزل بها إلى البحار ، ثمّ تعود مياه البحار إلى التّبخّر فيبقى الملح بها ، وتزداد كمّيّته بذلك عاما وراء عام . وممّا يدلّ على ذلك أنّ البحيرات المنقطعة والّتي يقلّ نزول المطر فيها مثل البحر الميّت في فلسطين ، والبحر الأحمر أكثر ملوحة من المحيطات الكبيرة ، فالماء يتبخّر من هذين البحرين كثيرا لوقوعهما في منطقة دافئة ويقلّ نزول المطر فيهما فتقلّ عذوبتهما ، وليست أرضنا مستوية السّطح ، إذ فيها نتوءات نسمّيها جبالا في بعض الأمكنة وفيها غؤورات في أمكنة أخرى نسمّيها محيطات ، ولكن الجبال والبحار إذا قسناهما إلى حجم الأرض لم تكونا إلّا بمثابة خدوش بسيطة لا يحسب لها حساب . وأهمّ عامل في انحدار المياه إلى المحيطات وسبب ملوحتها هو الجبال ، فما هو أصل الجبال ؟ في الأرض الآن عدّة براكين خامدة تدلّ على أنّ حرارة باطن الأرض كانت في الزّمن القديم أشدّ ممّا هي الآن ، وبديهيّ أنّ مثل هذه الحرارة كانت كثيرا ما تحدث نتوء أو أغوارا في قشرة الأرض ، ولكن السّبب الأهمّ الّذي يعزى إليه الآن ارتفاع الجبال وتكوّنها هو الأنهار ، وهي أيضا سبب العصور الجليديّة الّتي تناوبت العالم جملة مرار ، وكيفيّة ذلك أنّ الأمطار إذا وقعت على اليابسة حملت معها ما تذيبه من جوامد اليابسة ، وشقّت لها طريقا فيها حتّى تصل إلى البحر فتنصبّ فيه ، فإذا توالى هذا جملة آلاف من السّنين ثقل قعر البحر الّذي انصبّت فيه هذه المياه ، فإذا لم يستطع قعر البحر أن يحمل ما عليه من تراكم هذه الموادّ الّتي حملتها إليه الأنهار غار إلى أسفل ، وهو في غؤوره يدفع باطن اليابسة إلى النّتوء على نحو ما يحدث إذا صنعنا كرة من العجين إذا ضغطنا على جزء منها فغار نتأ جزء آخر يجاوره . والجبال الحاضرة يدلّ بعضها على أنّها كانت يوما مّا مغمورة بماء البحر بدليل ما يوجد فيها من متحجّرات الأصداف الّتي لا تعيش إلّا في المياه الملحة ، فالأنهار هي أصل الجبال ، والجبال هي أصل العصور الجليديّة واختلاف مناخ البلدان في الأزمنة القديمة ، وكيفيّة ذلك أنّ الجبل إذا ارتفع بلغ طبقة رقيقة من الهواء فتتشعّع منه حرارة الشّمس ، ولهذا نجد الحرّ في السّهول ، ونجد البرد بل الثّلج أحيانا في الجبال ، لأنّ الهواء إذا تكاثف في السّهول ، صار بمثابة الغطاء واللّحاف فيحفظ بذلك الحرارة . أمّا إذا رقّ على الجبال فليس هناك إذن ما يمسك الحرارة ، فإذا امتلأت البحار بما تحمله إليها الأنهار غارت قعورها فنتأت عندئذ الجبال ، فإذا سقطت عليها الأمطار جمدت وصارت ثلجا ، ثمّ يأخذ الثّلج في الانحدار على الجبال ويذهب أيضا إلى البحر حاملا معه شيئا كثيرا من اليابسة ، والجبال تتآكل وتتحاتّ بانحدار الثّلج حتّى تذهب قممها فلا تجمد الأمطار عليها لأنّها غير مرتفعة ، وهنا تأخذ السّيول في جرف الجبال فيزيد تحاتّها ويسرع هذا في إثقال قعور البحار ، وارتفاع الجبال وتحاتّها كلاهما يؤدّي إلى تغيّر المناخ وإلى زيادة مياه البحر أو نقصها ، فإذا كانت الجبال مرتفعة حدث ما يسمّى « عصرا جليديّا » فتشتدّ البرودة وتنقص مياه البحار لأنّ المطر الّذي تتكوّن سحبه من بخار مياه المحيطات يقع على هذه الجبال فيجمد ولا ينزل إلى البحر