لعقولنا . وسلّما لأنظارنا . وعلما لارتقائنا . فلعمري أيستوي الجاهل والحكيم . والذّكيّ والبليد . وهل يستوي من وقف عقله في جمود . ونفسه في خمود .
وذهنه في لحود . فأصبح لا يرى نور الجمال . ولا بهجة الجبال . ولا عظمة اللّه الّتي تجلّت للنّاظرين . فإذا لم تتّسع بعلوم الجبال وعجائبها . والأرض وغرائبها . فمن أين تتّسع العقول . وكيف يعثر المسلمون على كنوز الأرض إن لم يدرسوها ، أم كيف يقرءونها وهم لم يروها ؟ وكيف يكون للمسلمين بعد اليوم بقاء والأرض وجبالها مسخّرات بأيدي أمم الفرنجة . سخّروها بالعلم .
وأخضعوها بالفهم . فإذا بقي المسلمون في الجهالة العمياء مكتفين بالمسائل الفقهيّة فليودّعوا العالم راحلين .
وليشدّوا الرّكائب إلى ساحة الفناء . ولكنّي أقول : قد اقترب الزّمان وسيقوم في الأمّة من يوقظونها ويذيعون العلوم .
أفليس من العجب أن يذكر اللّه الجبال ويوبّخ النّاس قائلا :
أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ
الغاشية : 17 ، 19 . فياليت شعري كيف يكتفي المسلمون بنظر الجهلاء . ؟ إذن أيّ فرق بين العالم والجاهل . وإذا كان النّظر السّطحيّ كافيا فحينئذ يكون نظر الخليل عليه السّلام في النّجم والقمر والشّمس كنظر الجهلاء . فأين رفعته إذن .
كلّا ، كلّا . فالنّظر في الجبال ، والنّظر في السّماء ، والنّظر في الأرض ، والنّظر في الحيوان نظر حكمة وعلم لأمرين :
اتّساع العقول حتّى تعرف الخالق معرفة أتمّ والانتفاع بتلك المخلوقات . وكلّما قلّ العلم بهذه الأشياء قلّ الانتفاع بها وقلّ الشّوق إلى خالقها . فالانتفاع تابع للعلم . وحبّ اللّه تابع للعلم . وعلم الجاهل وعلم البهائم سيّان ، نظر بالبصر وجهل أكبر . فليرفع المسلم عقله عن مقام الجاهلين . حتّى يعرف كيف يحمد ربّ العالمين .
ويصلح بالعمل بلاد المسلمين . ويحفظها من أيدي الأوروبيّين .
نظرة في الجبال أيضا
قال بعض العلماء في عصرنا : الأرض كانت في رأي العلماء قطعة متّصلة بالشّمس أو جزء منها . يدلّك على ذلك أنّ جميع العناصر الموجودة بالشّمس موجودة كلّها بالأرض . وهذا يمكن اثباته بتحليل الطّيف الشّمسيّ لضوء الشّمس . فإنّ أكثر موادّ الشّمس في حالة غازيّة :
فإذا قطعنا هذا الضّوء « أيّ شعاعة منه » بمنشور من البلّور تحلّل الضّوء إلى جملة ألوان ، ولكلّ غاز طيف خاصّ ، وقد أمكن بذلك أن نعرف الموادّ المؤلّفة منها الشّمس ، ونتحقّق من أنّها نفس الموادّ المؤلّفة منها الأرض .
والمتّفق عليه أيضا بين معظم العلماء أنّ الأرض كانت كتلة ملتهبة ثمّ بردت بالتّدريج فصارت غازاتها سوائل ثمّ جمد بعضها .
ومن المعقول في هذه الحالة أن تتّجه أثقل الموادّ إلى المركز ويبقى أخفّها على السّطح ، وإذا كان بخار الماء قد برد حتّى صار سائلا وملأ محيطات العالم كما نراها الآن فإنّما يكون قد حدث هذا بالتّدريج ، وكانت البحار في البدء عذبة لأنّها تكوّنت من الأمطار ، ولكن لما تقادم العهد وصارت الأمطار تقع على اليابسة ثمّ تنحدر منها أنهارا إلى البحر أخذت هذه الأنهار تكتسح أملاح