تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 860

مساهمون:

ص٨٦٠

أوصاف الجبال

إنّ الجبال على اختلاف أشكالها ، وتباين ضروبها ، وتنوّع أصنافها ، وتفنّن أحجارها تنقسم إلى أربعة أقسام : صخريّة لا تنبت شيئا ، وجبال ذات نبات ، وجبال ناريّة ، وجبال لطيفة الهواء . وهاك بيانها : 1 - فأمّا الجبال الصّخريّة فمثل جبال تهامة ، فما هي إلّا صخور صلدة وأحجار صلبة . لا ينبت عليها إلّا يسير . 2 - وأمّا الجبال ذات النّبات ، فهي صخور رخوة . وطين لين ، وتراب ورمل ، وحصيات ملس متلبّدات ، ساف فوق ساف ، متماسك الأجزاء ، كثيرة النّبات والأشجار والحشائش مثل جبال فلسطين وجبال لكام وطبرستان وما أشبهها . 3 - وأمّا جبال النّار ، فإنّه يرى في أعاليها ليلا ونهارا دخان معتكر ساطع في الهواء ، مرتفع في الجوّ وذلك من النّار الّتي في باطن الأرض ، وما الأرض إلّا كرة ناريّة لها قشرة مثل قشرة البيضة بالنّسبة للبيضة ، وتقدّم تحقيق هذا في « آل عمران » وفي غيرها فارجع إليه إن شئت . 4 - وأمّا الجبال ذات الهواء اللّطيف فهي قسمان : قسم تهبّ فيه الرّياح اللّيّنة في بعض الأوقات . وقسم تهبّ فيه تلك الرّياح في جميع الأوقات . فأمّا الّذي تهبّ فيه الرّيح اللّيّنة في بعض الأوقات فمثل جبل الثّلج الّذي بدمشق . والّذي ببلاد ( داور ) من جبال « غور » وجبل « دماوند » فهذه لمّا كان الثّلج فوقها فإنّه عند ذوبانه يتحلّل إلى أجزاء بخاريّة لطيفة فيرتفع في الجوّ ويلطّف الهواء فتهبّ نسمات لطيفة تشرح الصّدور ، ويدفع ذلك البخار الهواء إلى الجهات الخمس . فتلك الرّياح لا تكون إلّا عند ذوبان الثّلج ، فإذا لم يكن ذلك كانت رياحها على حسب حال جوّها ومناخها ، فالرّياح متقلّبات ليست دائما معتدلات . وأمّا القسم الّذي تهبّ فيه الرّياح اللّيّنة في جميع الأوقات فمثل جبال [ باميان ] في بلاد الشّرق ولا حاجة إلى إطالة الأسباب في ذلك . هذا ولأذكر لك آراء العلماء في هذا الزّمان في أمر الجبال لينشرح صدرك وتقرّ عينك بمناظر الجمال ومحاسن الجبال ، ولأجعل لك ذلك في خمسة فصول : الأوّل : كيف كان تكوين الجبال . الثّاني : كيف يكون زوالها . الثّالث : وصف الجبال ذات الأشجار والثّلج . والرّابع : وصف جبال النّار . الخامس : اعتبار العقلاء بعجائب الجبال . وهاك بيانها :

الفصل الأوّل : في تكوين الجبال عند علماء العصر الحاضر

يقولون : إنّ الأرض أشبه بتفّاحة تجعّدت قشرتها لتقارب أجزائها الدّاخليّة ، والأرض لمّا كانت كرة متّقدة الدّاخل ازدادت برودة قشرتها على توالي الأزمان ، وبتوالي البرودة تنزل القشرة فيحصل خسف وزلزلة وأهوال فيرتفع بعض الأماكن وتنخفض أماكن أخرى . ففي الجبال الآن ما هو في دور الطّفولة ، ومنها ما بلغ أشدّه ، ومنها ما أصبح كشيخ ، ومنها ما أخذ في الفناء . فالأوّل كجبال « الانديس » بأوروبّا ، فهي حديثة العهد ، فهي لا تزال ترتفع وتعلو كأنّها جسم حيوان ، وهكذا جبال الألب . والثّاني كجبال « البرنيس » بأوروبّا .