في هذا الوقت نفسه ، رفعت قطعة عظيمة من الجبل فوق رؤوسهم ؛ بحيث وقعوا في اضطراب ووحشة كبيرة ، فالتجأوا إلى موسى عليه السّلام وطلبوا منه رفع هذا الخطر والخوف عنهم ، فقال لهم موسى عليه السّلام في تلك الحالة : لو كنتم تتعهدّون بأن تكونوا أوفياء لهذه الأحكام لزال عنكم هذا الخطر ، فسلّموا وتعهّدوا وسجدوا للّه تعالى ، فزال عنهم الخطر ، وأزيحت الصّخرة من فوق رؤوسهم .
أسئلة وأجوبة :
وهنا سؤالان يطرحان نفسيهما ، وقد أشرنا إليهما في سورة البقرة وإلى جوابيهما ، ونذكر مختصرا عنهما هنا بالمناسبة .
السّؤال الأوّل : ألم يكن لأخذ الميثاق في هذه الحالة صفة الإجبار ؟
والجواب : لا شكّ أنّه كانت تحكم في ذلك الظّرف حالة من الإجبار والاضطرار ، ولكن من المسلّم أنّه لمّا ارتفع وزال الخطر فيما بعد ، كان بإمكانهم مواصلة هذا السّلوك باختيارهم .
هذا مضافا إلى أنّه لا معنى للإجبار في مجال الاعتقاد ، ولكن لا مانع من أن يجبر النّاس في مجال البرامج العمليّة الضّامنة لخيرهم وسعادتهم وصلاحهم .
فهل من العيب لو أنّنا أجبرنا شخصا على ترك عادة شريرة ، أو سلوك طريق آمن من الخطر ، وعدم سلوك طريق محفوف بالأخطار .
السّؤال الثّاني : كيف رفع الجبل فوق رؤوسهم ؟
الجواب : ذهب بعض المفسّرين إلى أنّ الجبل قلع من مكانه بأمر اللّه ، واستقرّ فوق رؤوسهم كمظلّة .
وذهب آخرون إلى أنّه اهتزّ الجبل اهتزازا شديدا بفعل زلزال شديد ؛ بحيث شاهد النّاس الّذين كانوا يسكنون في سفح الجبل ظلّ قسم منه فوق رؤوسهم .
ويحتمل أيضا أنّ قطعة من الجبل انتزعت من مكانها واستقرّت فوق رؤوسهم لحظة واحدة ، ثمّ مرّت وسقطت في جانب آخر .
ولا شكّ في أنّ هذا الأمر كان أمرا خارقا للعادة ، وليس حدثا طبيعيّا عاديّا .
والموضوع الآخر الّذي يجب الانتباه إليه هو أنّه لا يقول : إنّ الجبل صار مظلّة فوق رؤوسهم بل قال :
كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ .
وهذا التّعبير إنّما هو لأجل أنّ المظلّة تنصب على رؤوس الأشخاص لإظهار الحبّ ، والحال أنّ هذه العمليّة - المذكورة في الآية الحاضرة - كانت من باب التّهديد . أو لأجل أنّ المظلّة شيء مستقرّ وثابت ، ولكن استقرار الجبل فوق رؤوسهم كان أمرا يتّسم بعدم الثّبات والدّوام .
قلنا : مع هذه الآية تختم الآيات المتعلّقة بقصّة بني إسرائيل والحوادث المختلفة ، والذّكريات الحلوة والمرّة الّتي وقعت في حياتهم « في حياتهم « في هذه السّورة » .
وهذه القصّة هي آخر قصص الأنبياء الّتي جاءت في هذه السّورة .
وذكر هذه القصّة في نهاية قصصهم في هذه السّورة - مع أنّها ليست آخر حدث من الحوادث المرتبطة بهذه الجماعة - لعلّه لأجل أنّ الهدف من جميع هذه القصص