والوجه الثّاني : الجبّار من المخلوقين : يعني القتّال في غير حقّ ، فذلك قوله في الشّعراء : 130
وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ،
يقول : إذا أخذتم أخذتم فقتلتم في غير حقّ كفعل الجبابرة ، كقوله لموسى في القصص : 19
. . . إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ
يعني قتّالا ، وكقوله في حم المؤمن : 35
كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ،
عن عبادة اللّه ( جبّار ) يعني قتّالا في غير حقّ .
والوجه الثّالث : الجبّار : يعني المتكبّر عن عبادة اللّه ، فذلك قوله في سورة مريم ليحيى : ( ولم يكن ) ولم نجعله ( جبّارا ) يعني متكبّرا عن عبادة اللّه ( عصيّا ) مريم : 14 ، عاصيا له .
وقال عيسى أيضا :
وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً
يعني متكبّرا عن عبادة اللّه ( شقيّا ) مريم : 32 .
والوجه الرّابع : الجبّار : يعني في الطّول والعظم والقوّة ، فذلك قوله في المائدة : 22
إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ ،
يعني في الطّول والعظم والقوّة . ( 170 )
نحوه هارون الأعور ( 167 ) ، والدّامغانيّ ( 219 ) ، والفيروزاباديّ ( بصائر ذوي التّمييز 2 : 360 ) .
الحيريّ : الجبّار على خمسة أوجه :
أحدها : الغويّ ، كقوله :
قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ
المائدة : 22 .
والثّاني : المتكبّر ، كقوله :
وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
هود : 59 ، وقوله :
وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
إبراهيم : 15 ، وقوله :
وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا
مريم :
32 .
والثّالث : القتّال ، كقوله :
وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ
الشّعراء : 130 ، وقوله :
إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ
القصص : 19 ، وقوله :
كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ
المؤمن : 35 .
والرّابع : المسلّط ، كقوله :
وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ
ق : 45 .
والخامس : القهّار ، كقوله :
الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ
الحشر : 23 . ( 176 )
الأصول اللّغويّة
1 - الأصل في هذه المادّة الجبر ، أي الملك ، فهو يقهر النّاس على ما يريده . ومنه : الجبّار في صفة اللّه تعالى ، لأنّه عال فوق خلقه لا ينال ، والجبّار من النّخل : ما طال وفات اليد ، والجبّار من النّاس : المسلّط والقاهر ، والطّويل العظيم القويّ ، تشبيها بالنّخلة الجبّارة ، وفرس جبّار : عظيم قويّ ، وناقة جبّارة : عظيمة سمينة . والجبّير :
الشّديد التّجبّر ، يقال : تجبّر الرّجل واجتبر ، أي تعظّم بالقهر وتكبّر .
والجبر : إصلاح الشّيء بضرب من القهر ، يقال :
جبرت العظم جبرا ، أي أصلحته ، وجبّرت الكسر أجبّره تجبيرا : أصلحته أيضا ، فأنا مجبّر ، وجبر العظم بنفسه جبورا ، وانجبر واجتبر : صلح . ويقال للمريض :
يوما تراه متجبّرا ويوما تيأس منه ، أي صالح الحال ، وأصابت فلانا مصيبة لا يجتبرها ، أي لا مجبر منها .
والجبارة والجبيرة : العود الّذي يجبر به العظم ، وتطلق أيضا على الأسورة من الذّهب والفضّة ، للتّشبيه