تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 830

مساهمون:

ص٨٣٠
وكذلك ذكر مثل هذا وأشنع منه غير ابن جرير والسّيوطيّ وبعض المفسّرين والقصّيصين ، وهي كما قال ابن قتيبة : أحاديث خرافة ، كانت مشهورة في الجاهليّة ، ألصقت بالحديث بقصد الإفساد . وإليك ما ذكره الإمام الحافظ النّاقد ابن كثير في تفسيره ، قال : وقد ذكر كثير من المفسّرين هاهنا أخبارا من وضع بني إسرائيل ، في عظمة خلق هؤلاء الجبّارين ، وأنّ منهم عوج بن عنق بنت آدم عليه السّلام ، وأنّه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمئة وثلاثة وثلاثون ذراعا ، وثلث ذراع ، تحرير الحساب ، وهذا شيء يستحى من ذكره ، ثمّ هو مخالف لما ثبت في الصّحيحين : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قال : « إنّ اللّه خلق آدم ، وطوله ستّون ذراعا ، ثمّ لم يزل الخلق ينقص حتّى الآن » ، ثمّ ذكروا : أنّ هذا الرّجل كان كافرا ، وأنّه كان ولد زنيّة ، وأنّه امتنع من ركوب سفينة نوح ، وأنّ الطّوفان لم يصل إلى ركبتيه . وهذا كذب وافتراء ، فإنّ اللّه تعالى ذكر : أنّ نوحا دعا على أهل الأرض من الكافرين ، فقال :
رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً
نوح : 26 ، وقال تعالى :
فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ
الشّعراء : 119 ، 120 ، وقال تعالى :
لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ
هود : 43 ، وإذا كان ابن نوح الكافر غرق ، فكيف يبقى عوج بن عنق ، وهو كافر ، وولد زنيّة ؟ ! هذا لا يسوغ في عقل ، ولا شرع ، ثمّ في وجود رجل يقال له : عوج بن عنق ، نظر ، واللّه أعلم . وقال ابن قيّم الجوزيّة ، بعد أن ذكر حديث عوج : « وليس العجب من جرأة من وضع هذا الحديث ، وكذب على اللّه ، وإنّما العجب ممّن يدخل هذا في كتب العلم من التّفسير وغيره ، فكلّ ذلك من وضع زنادقة أهل الكتاب الّذين قصدوا الاستهزاء ، والسّخريّة بالرّسل وأتباعهم » . قال أبو شهبة : وسواء أكان عوج بن عنق شخصيّة وجدت حقيقة ، أو شخصيّة خياليّة ، فالّذي ننكره هو : ما أضفوه عليه من صفات وما حاكوه حوله من أثواب الزّور والكذب والتّجرّؤ ، على أن يفسّر كتاب اللّه بهذا الهراء . وليس في نصّ القرآن ما يشير إلى ما حكوه وذكروه ، ولو من بعد ، أو وجه الاحتمال ، ثمّ أين زمن نوح من زمن موسى عليه السّلام وما يدلّ عليه آية :
قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها ،
كان في زمن موسى قطعا ، ولا مرية في هذا ، فهل طالت الحياة بعوج حتّى زمن موسى ؟ ! بل قالوا : إنّ موسى هو الّذي قتله ، ألا لعن اللّه اليهود ، فكم من علم أفسدوا وكم من خرافات وأباطيل وضعوا . ( 2 : 171 )

الأشباه والنّظائر

مقاتل : تفسير الجبّار على أربعة وجوه : فوجه منها الجبّار : يعنى القهّار الخالق ، وهو اللّه تبارك وتعالى ، فذلك قوله في الحشر : 23
الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ ،
يعني القاهر لخلقه لما أراد . وقال اللّه للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم :
وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ
ق : 45 ، يعني بمسيطر فتقهرهم على الإسلام .