فظهر أنّ المراد بالجبّارين : هم أولوا السّطوة والقوّة من الّذين يجبرون النّاس على ما يريدون . ( 5 : 290 )
مكارم الشّيرازيّ : أمّا المراد من عبارة
قَوْماً جَبَّارِينَ
فهم كما تدلّ عليه التّواريخ قوم « العمالقة » الّذين كانوا يمتلكون أجساما ضخمة ، وكانت لهم أطوال خارقة ؛ بحيث ذهب الكثير إلى المبالغة في طول أجسام هؤلاء ، وصنعوا الأساطير الخرافيّة من ذلك ، وكتبوا فيهم مواضيع تثير السّخريّة ، لا يسندها أيّ دليل علميّ ، وبالأخصّ فيما كتبوه عن المدعوّ ب « عوج » في التّواريخ المصطنعة ، المشوبة بالخرافات والأساطير .
ويبدو أنّ مثل هذه الخرافات الّتي تسرّبت حتّى إلى بعض الكتب الإسلاميّة ، وإنّما هي من صنع بني إسرائيل ، والّتي تسمّى عادة ب « الإسرائيليّات » والدّليل على هذا القول هو ما ورد نصّا في التّوراة المتداولة من أساطير خرافيّة تشبه أساطير العمالقة ، نقرأ في سفر الأعداد في أواخر الفصل الثّالث عشر « إنّ الأرض الّتي ذهب بنو إسرائيل إليها لاستقصاء أخبارها هي أرض تبيد ساكنيها ، وإنّ جميع من فيها هم أناس طوال ، وفيهم العمالقة من أبناء « عناق » بشكل كان بنو إسرائيل الّذين ذهبوا للتّجسّس هناك أشبه بالجراد قياسا بأحجام العمالقة الموجودين في تلك الأرض ! » .
( 3 : 594 )
فضل اللّه : ما المقصود من ( جبارين : ) في الآية ؟
قيل : إنّهم العمالقة الّذين يتميّزون بضخامة الأجسام ، وطولها غير العادي ، حتّى وضعت الأساطير في الحديث عن أحجامهم في العرض والطّول ما يشبه الخرافات ، وقد دخلت الإسرائيليّات الخرافيّة - في هذا الموضوع - في الكتب الإسلاميّة ، وقد ذكر المؤرّخون في الحديث عنهم ، فقالوا : « كان العمالقة قوما من العنصر السّاميّ يعيشون في شمال جزيرة العرب بالقرب من صحراء سيناء ، وقد هاجموا مصر واستولوا عليها لفترات طويلة ، ودامت حكومتهم حوالي ( 500 ) عام منذ عام 2213 قبل الميلاد حتّى عام 1703 قبل الميلاد » كما جاء في دائرة المعارف لفريد وجدي .
ويبدو أنّ قوم موسى كانوا يعيشون الإحساس بالقوّة القاهرة لهؤلاء ، ممّا يجعلهم يرتجفون رعبا من التّفكير ، بأنّهم سوف يواجهونهم في ساحة الحرب .
وربّما كانوا يحملون بعض الإشاعات الأسطوريّة عنهم ، ممّا اعتاد النّاس أن يتحدّثوا به عن أرباب القوّة بطريقة المبالغة ، ولهذا كان موقفهم حاسما في رفض الدّخول إلى الأرض المقدّسة الّتي يسيطر هؤلاء عليها ، من دون التّفكير بما يملكونه - هم - من عناصر القوّة في مقابل ما يعيش فيه العمالقة من عناصر الضّعف ، لا سيّما أنّ هؤلاء قد لا يملكون حرّيّة الحركة في داخل المدينة ، كنتيجة للتّعقيدات الّتي تفرضها ضخامة أجسامهم ، كما أنّ الهجوم المفاجئ قد يهزمهم من ناحية نفسيّة .
وتلك هي مشكلة الّذين لا يعيشون الإيمان الواعي باللّه والثّقة برسله ، هذا الإيمان الّذي من شأنه أن يوحي بالثّقة بالنّفس ، بما يفرضه من امتلاء العقل والقلب والحركة باللّه ، وتفريغ الذّات من الإحساس بقوّة الآخرين ، ولهذا رأينا الرّجلين اللّذين يخافان اللّه ، واللّذين أنعم اللّه عليهما بنعمة الإيمان القويّ ، يشجّعان