إحداها صفة التّوحيد ، وهي الأساس لجميع صفاته تعالى ، وقد كرّرت في صدر هذه الآيات ثلاث مرّات إعلاما بذلك . وبعدها :
هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
وفيها سوى صيغة التّوحيد ( هو اللّه ) سبع صفات ، اثنتان منها جاءتا بصورة جملتين اسميّة وفعليّة . أمّا آيتنا هذه ففيها سوى صفة التّوحيد ثماني صفات : أوّلها ( الملك ) وسبع بعدها ، بحثنا حولها في لفظ « المؤمن » لاحظ « أمن » .
وقد كرّرت فيها صفة ( العزيز ) مرّتين . إحداهما ( العزيز الجبّار ) والأخرى ( العزيز الحكيم ) فصفة الحكيم في الثّانية تبيّن أنّ وصف ( الجبّار ) في الأولى حكمة وليس ظلما ، وأنّ عزّته البالغة غير محدودة تماشي دائما مع حكمته الكاملة ، ومن هنا نتطرّق إلى معنى الجبّار الآتي . وكرّرت صفة التّوحيد فيها ثلاث مرّات ، لأنّها الأساس لها كما سبق . قال سيّد قطب 6 :
3532 :
« إنّها تسبيحة مديدة بهذه الصّفات المجيدة ذات ثلاثة مقاطع ، يبدأ كلّ مقطع منها بصيغة التّوحيد . . . ولكلّ اسم من هذه الأسماء الحسنى أثر في هذا الكون ملحوظ ، وأثر في حياة البشر ملموس ، فهي توحي إلى القلب بفاعليّة هذه الأسماء والصّفات ، فاعليّة ذات أثر وعلاقة بالنّاس والأحياء ، وليست هي صفات سلبيّة ، أو منعزلة عن كيان هذا الوجود وأحواله وظواهره المصاحبة لوجوده . . . »
رابعا : جاءت هذه الصّفات متوالية بلا حرف عطف ، فليست عطف نسق ، بل هي إمّا عطف بيان ، لكونها أسماء وإن كان أصلها صفات ، وقد جاء في الحديث النّبويّ الّذي رواه الزّجّاج ( 5 : 151 ) : « أنّ للّه مئة اسم غير واحد » أو هي عطف نسق حذف منها حرف العطف رمزا إلى الاتّصال الوثيق والعلاقة الشّديدة بينها ، حتّى كأنّها جميعا صفة واحدة للّه تعالى ، وهي كذلك عقلا ، لأنّها ليست زائدة على ذاته ، وقد جمعها اسم ( اللّه ) كما قالوا : « إنّها اسم للذّات المستجمعة لجميع صفات الجمال والجلال » ولهذا بدأت كلّ واحدة منها بصفة التّوحيد فكأنّ ما بعدها تفسير وبيان لها ، ولها نظائر في القرآن ، أوّلها البسملة ، والفاتحة . ولم نر من درس وبحث حولها .
خامسا : الجبّار في ( 1 ) جاء في عداد صفات الجلال الدّالّة على عظمته وسلطانه « الملك العزيز الجبار المتكبر ، » فلا ينبغي حمله إلّا على ما يساوقها مثل :
( الغالب على عباده ، الملك العظيم ، العظيم الشّأن ، والسّلطان ) أخذا من « الجبروت » أو الّذي لا ينال أخذا من الجبّارة ، وهي النّخلة الّتي تفوت يد المتناول ، إلى أمثالها ممّا جاء في النّصوص . فلا ينبغي حمله على معنى الجبر والإصلاح ، بمعنى أنّه تعالى يغني الفقير ويصلح الكسير - كما قال بعضهم - حذرا عن توصيفه بوصف قبيح ، فقد علمت أنّ جبّاريّته وعزّته وكذلك تكبّره ملائمة لحكمته . فلا قبح فيها ولا نقص .
وهناك وجه ثالث في معنى ( الجبّار ) فسّره به بعضهم ، ولا سيّما الأشاعرة القائلين بالجبر في أفعال العباد ، وأنّها فعل اللّه ، وهو أنّه يقهر النّاس ويجبرهم