تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 827

مساهمون:

ص٨٢٧
نخلة جبارة ، أي طويلة لا ينال ثمرها بالأيدي . إنّ سكّان تلك البلاد في ذلك الحين هم بني عناق ، وكانوا أولي قوّة وبأس ، طوال القامة ضخام الأجسام ، وقد ورد في وصفهم في الإسرائيليّات من الخرافات الّتي كان يبثّها اليهود في المسلمين مالا يصدقه العقل ، ولا ينطبق على ما عرف من سنن اللّه في خلقه ، كقولهم : إنّ العيون « الجواسيس » الاثني عشر الّذين بعثهم موسى إلى ما وراء الأردن ليتجسّسوا ، ويخبروه بحال تلك الأرض ومن فيها قبل أن يدخلها قومه ، رآهم أحد الجبّارين فوضعهم كلّهم في كسائه . وفي رواية أخرى : إنّ أحدهم كان يجني الفاكهة فكان كلّما أصاب واحدا من هؤلاء العيون وضعه في كمّه مع الفاكهة ، إلى نحو أولئك من روايات بعيدة عن الصّدق ، فالمصريّون هم هم ، ونسل الكنعانيّين مشاهد معروف لا يمكن أن تكون أصوله على ما وصفوا . وهذه القصّة مبسوطة في السّفر الرّابع من أسفار التّوراة ففيها : إنّ الجواسيس تجسّسوا أرض كنعان كما أمروا ، وأنّهم قطعوا في عودتهم زرجونة فيها عنقود عنب واحد ، حملوه بعتلة بين اثنين منهم مع شيء من الرّمّان والتّين ، وقالوا لموسى وهو في ملإ بني إسرائيل : قد صرنا إلى الأرض الّتي بعثتنا إليها فإذا هي بالحقيقة تدرّ لبنا وعسلا وهذا ثمرها ، غير أنّ الشّعب السّاكنين فيها أقوياء ، والمدن حصينة عظيمة جدّا ، ورأينا ثمّ أيضا بني عناق . . إلى أن قال : وقد رأينا ثمّ من الجبابرة ، جبابرة بني عناق ، فصرنا في عيوننا كالجراد ، وكذلك كنّا في عيونهم . وذكر في فصل آخر : تذمّر بني إسرائيل من أمر موسى لهم بدخول تلك الأرض ، وأنّهم بكوا وتمنّوا لو أنّهم ماتوا في أرض مصر أو في البرّيّة ، وقالوا : لماذا أتى الرّبّ إلى هذه الأرض حتّى نسقط تحت السّيف ، وتصير نساؤنا وأطفالنا غنيمة ، أليس خيرا لنا أن نرجع إلى مصر ؟ إلخ . والخلاصة : إنّ موسى لمّا قرب بقومه من حدود الأرض المقدّسة العامرة الآهلة ، أمرهم بدخولها مع الاستعداد لقتال من يقاتلهم من أهلها ، وإنّهم لما غلب عليهم من الضّعف والذّلّ واضطهاد المصريّين لهم وظلمهم إيّاهم ، أبوا وتمرّدوا واعتذروا بضعفهم وقوّة أهل تلك البلاد وحاولوا الرّجوع إلى مصر ، وقالوا لموسى : إنّا لن ندخل هذه الأرض ما دام هؤلاء الجبّارون فيها ، وقولهم :
فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ
المائدة : 22 ، تأكيد لما فهم ممّا قبله مشعر بأنّه لا علّة لا متناعهم إلّا ما ذكروه . وفي إجابتهم هذه دليل على منتهى الضّعف وخور العزيمة ، وعلى أنّهم لا يريدون أن يأخذوا شيئا باستعمال قواهم البدنيّة ولا العقليّة ، ولا أن يدفعوا الشّرّ عن أنفسهم ولا أن يجلبوا لها الخير ، بل يريدون أن يعيشوا بالخوارق والآيات ما داموا في هذه الحياة . ولا شكّ أنّ أمّة كهذه لا تستحقّ أن تتمتّع بنعيم الاستقلال ، وتحيا حياة العزّ والكرامة ، وتكون ذات تصرّف مطلق في شؤونها ، ومن ثمّ لم تقم لها دولة بعد
وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً
الكهف : 49 . ( 6 : 91 ) الطّباطبائيّ : [ ذكر الآية ، ثمّ حكى بعض كلام الرّاغب المتقدّم وقال : ]