- كما أشرنا آنفا - مشتقّ من « الجبر » ومعناه إزالة النّقص ، ولكن « الجبّار » سواء كان بالمعنى الأوّل أو الثّاني فهو يستعمل بشكليه ، وقد يراد به الذّمّ إذا كان الإنسان يحاول تجاوز النّقص الّذي فيه ، باستعلائه على الغير وتكبّره وبالادّعاءات الخاطئة ، أو أنّه يحاول أن يجبر غيره على أن يكون تحت طاعته ورغبته ، فيكون الأخير ذليلا لأمره .
هذا المعنى في كثير من آيات القرآن الكريم ، وأحيانا تقترن معه صفات ذميمة أخرى ، كالآية المتقدّمة الّتي اقترنت مع كلمة عنيد ، وفي الآية ( 32 ) من سورة مريم نقرأ على لسان عيسى بن مريم رسول اللّه :
وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا
كما نقرأ على لسان بني إسرائيل في خطابهم لموسى عليه السّلام ، في شأن السّاكنين بيت المقدس من الظّالمين ، حيث ورد في الآية ( 22 ) من سورة المائدة
قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ .
ولكن قد تأتي كلمة « الجبّار » من هذين الجذرين :
الجبر والجبران ، وهي بمعنى المدح ، وتطلق على من يسدّ حاجات النّاس ويرفع نقصانهم ويربط العظام المتكسّرة ، أو أن تكون له قدرة وافرة بحيث يكون الغير خاضعا لقدرته ، دون أن يظلم أحدا أو يستغلّ قدرته ليسيء الاستفادة منها ، ولذلك حين تكون كلمة « الجبّار » بهذا المعنى فقد تقترن بصفات مدح أخرى ، كما نقرأ في سورة الحشر الآية 23 :
الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ
وواضح أنّ صفات كالقدّوس والسّلام والمؤمن لا تنسجم مع الجبّار بمعنى الظّالم أو ( المتكبّر ) بمعنى من يرى نفسه أكبر من غيره ، وهذا التّعبير يدلّ على أنّ المعنى المراد هنا من ( الجبّار ) هو المعنى الثّاني .
ولكن حيث إنّ البعض فسّروا ( الجبّار ) ببعض معانيه دون الالتفات إلى معانيه المتعدّدة في اللّغة ، تصوّروا أنّ استعمال هذا اللّفظ غير صحيح في شأن اللّه ، وكذلك في ما يخصّ لفظ ( المتكبّر ) ولكن بالرّجوع إلى جذورهما اللّغويّة الأصيلة يرتفع الإشكال . ( 6 : 533 )
2 -
وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ .
إبراهيم : 15
ابن عبّاس : كلّ متكبّر ختّال . ( 312 )
قتادة : الجبّار العنيد : الّذي أبى أن يقول : لا إله إلّا اللّه . ( الطّبريّ 13 : 194 )
ابن زيد : الجبّار هو المتجبّر . ( الطّبريّ 13 : 194 )
الطّبريّ : كلّ متكبّر جائر حائد عن الإقرار بتوحيد اللّه ، وإخلاص العبادة له . ( الطّبريّ 13 : 193 )
الزّجّاج : الجبّار : الّذي لا يرى لأحد عليه حقّا .
( 3 : 156 )
الماورديّ : وفي ( جبّار ) وجهان : أحدهما : أنّه المنتقم ، الثّاني : المتكبّر بطرا . ( 3 : 127 )
الطّوسيّ : والجبريّة : طلب علوّ المنزلة بما ليس وراءه غاية في الوصف ، فإذا وصف العبد بأنّه جبّار كان ذمّا ، وإذا وصف اللّه به كان مدحا ، لأنّ له علوّ المنزلة بما ليس وراءه غاية في الصّفة . ( 6 : 282 )
الواحديّ : متكبّر عن طاعة اللّه . ( 3 : 27 )
البغويّ : الجبّار : الّذي لا يرى فوقه أحدا ، والجبريّة : طلب العلوّ بما لا غاية وراءه . وهذا الوصف