وفي حديث الشّيعة : « إيّاكم والتّجبّر على اللّه » كأنّه أراد بالتّجبّر على اللّه : التّكبّر على النّاس متّكلا معتمدا على قربه عند اللّه .
وفي الحديث : « إنّ عبدا لم يتجبّر على اللّه إلّا تجبّر على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله » .
والجبروت فهو « فعلوت » من الجبر والقهر .
ومن كلامه عليه السّلام في وصف والي الأمّة « هو الّذي لم يغلق بابه دونهم ، فيأكل قويّهم ضعيفهم ولم يجبرهم في بعوثهم ، فيقطع نسل أمّتي » . قيل : هو من الجبر على الشّيء : القهر والغلبة عليه .
وقد اضطربت النّسخ في ذلك ، والأصحّ ما ذكرناه ، والمعنى حينئذ لم يقهر كلّ جماعة من المسلمين على الجهاد فينجرّ إلى قطع النّسل .
والجبر وزان « فلس » : خلاف القدر ، وهو القول :
بأنّ اللّه يجبر عباده على فعل المعاصي ، ومنه الحديث :
« لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين » .
سئل ما الأمر بين الأمرين ؟
قال : مثل ذلك ، رجل رأيته على معصية فنهيته فلم ينته ، فتركته ، ففعل تلك المعصية ، فليس حيث لم يقبل منك فتركته ، كنت أنت الّذي أمرته بالمعصية .
والجبريّة بإسكان الباء : خلاف القدريّة ، وفي عرف أهل الكلام يسمّون المجبّرة والمرجئة ، لأنّهم يؤخّرون أمر اللّه ، ويرتكبون الكبائر .
والمفهوم من كلام الأئمّة عليهم السّلام أنّ المراد من الجبريّة : الأشاعرة ، ومن القدريّة : المعتزلة ، لأنّهم شهروا أنفسهم بإنكار ركن عظيم من الدّين ، وهو كون الحوادث بقدرة اللّه تعالى وقضائه ، وزعموا أنّ العبد قبل أن يقع منه الفعل مستطيع تامّ ، يعني لا يتوقّف فعله على تجدّد فعل من أفعاله تعالى ، وهذا معنى « التّفويض » يعني أنّ اللّه تعالى فوّض إليهم أفعالهم .
وقال عليّ بن إبراهيم : المجبّرة : الّذين قالوا : ليس لنا صنع ونحن مجبرون ، يحدث اللّه لنا الفعل عند الفعل ، وإنّما الأفعال منسوبة إلى النّاس على المجاز لا على الحقيقة .
وتأوّلوا في ذلك بآيات من كتاب اللّه لم يعرفوا معناها ، مثل قوله :
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ .
الدّهر : 30 ، والتّكوير : 29 ، وقوله :
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً
الأنعام : 125 ، وغير ذلك من الآيات الّتي تأوّلوها على خلاف معانيها ، وفيما قالوه إبطال الثّواب والعقاب ، وإذا قالوا ذلك ثمّ أقرّوا بالثّواب والعقاب نسبوا إلى اللّه « الجور » وأنّه يعذّب على غير اكتساب وفعل ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا أن يعاقب أحدا على غير فعل وبغير حجّة واضحة عليه . والقرآن كلّه ردّ عليهم ، قال اللّه تعالى :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ
البقرة : 286 ، فقوله : ( لها وعليها ) هو الحقيقة لفعلها ، وقوله :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ،
الزّلزال : 7 ، 8 ، [ ثمّ ذكر آيات عديدة في الرّدّ عليهم ]
وفي الحديث : « لا يحرم من الرّضاع إلّا المجبور » قلت :
وما المجبور ؟ قال : « أمّ تربّي أو ظئر تستأجر أو أمة تشترى » .