والقول الأوّل أصحّ لوجهين :
أحدهما : ما ذكره النّحّاس عن عليّ بن سليمان أنّه قال : لا يجوز أن يكون ( تثير ) مستأنفا ، لأنّ بعده ( ولا تسقى الحرث ) ، فلو كان مستأنفا لما جمع بين الواو و « لا » .
الثّاني : أنّها لو كانت تثير الأرض لكانت الإثارة قد ذلّلتها ، واللّه تعالى قد نفى عنها الذّلّ بقوله : ( لا ذلول ) .
قلت : ويحتمل أن تكون ( تثير الأرض ) في غير العمل مرحا ونشاطا .
فعلى هذا يكون ( تثير ) مستأنفا ، ( ولا تسقى ) معطوف عليه ، فتأمّله .
وإثارة الأرض : تحريكها وبحثها ، ومنه الحديث :
« أثيروا القرآن فإنّه علم الأوّلين والآخرين » . وفي رواية أخرى : « من أراد العلم فليثوّر القرآن » وقد تقدّم . وفي التّنزيل :
وَأَثارُوا الْأَرْضَ
الرّوم : 9 ، أي قلبوها للزّراعة . والحرث : ما حرث وزرع . ( 1 : 453 )
أبو حيّان : و
تُثِيرُ الْأَرْضَ
صفة ل ( ذلول ) وهي صفة داخلة في حيّز النّفي ، والمقصود نفي إثارتها الأرض ، أي لا تثير فتذلّ . [ ثمّ استشهد بشعر وقال : ]
ومعنى الكلام أنّها لم تذلّل بالعمل لا في حرث ولا في سقي ، ولهذا نفى عنها إثارة الأرض وسقيها .
وقال بعض المفسّرين : معنى تثير الأرض بغير الحرث بطرا ومرحا . ومن عادة البقر إذا بطرت تضرب بقرنها وأظلافها فتثير تراب الأرض وينعقد عليها الغبار ، فيكون هذا المعنى من تمام قوله : ( لا ذلول ) لأنّ وصفها بالمرح والبطر دليل على أنّها لا ذلول .
وقد ذهب قوم إلى أنّ قوله :
تُثِيرُ الْأَرْضَ
فعل مثبت لفظا ومعنى ، وأنّه أثبت للبقرة أنّها تثير الأرض وتحرثها ، ونفى عنها سقي الحرث . وردّ هذا القول من حيث المعنى ، لأنّ ما كان يحرث لا ينتفى كونها ذلولا .
( 1 : 255 )
نحوه الآلوسيّ . ( 1 : 290 )
الشّربينيّ : أي تقلبها للزّراعة . والجملة صفة ( ذلول ) داخلة في النّفي . ( 1 : 70 )
الكاشانيّ : لم تذلّل لإثارة الأرض ولم ترض بها .
( 1 : 127 )
البروسويّ : إشارة إلى نفس الطّالب الصّادق ، وهي الّتي لا تحمل الذّلّة ، تثير بآلة الحرص علوّ أرض الدّنيا لطلب زخارفها ، وتتّبع هوى النّفس وشهواتها .
( 1 : 161 )
2 -
اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ . . .
الرّوم : 48
السّدّيّ : يرسل اللّه الرّيح ، فتأتي بالسّحاب من بين الخافقين طرف السّماء حين يلتقيان ، فتخرجه ثمّ تنشره .
( 380 )
أبو عبيدة : مجازه : تجمع وتستخرج . ( 2 : 124 )
القمّيّ : أي ترفعه . ( 2 : 160 )
الطّوسيّ : أي تنشيء سحابا . فإنشاء السّحاب وإن كان من فعل اللّه ، لكن لمّا كان السّحاب سببا منه جاز أن يسند إليها . ( 8 : 261 )
البغويّ : أي ينشره . ( 3 : 582 )