الزّمخشريّ : قرئ مثوبة ومثوبة ، ومثالهما مشورة ومشورة .
فإن قلت : المثوبة مختصّة بالإحسان ، فكيف جاءت في الإساءة .
قلت : وضعت المثوبة موضع العقوبة ، على طريقة قوله :
* تحيّة بينهم ضرب وجيع *
ومنه :
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
آل عمران : 21 .
( 1 : 625 )
نحوه الفخر الرّازيّ ( 12 : 36 ) ، والبيضاويّ ( 1 :
282 ) ، والشّربينيّ ( 1 : 383 ) ، وأبو السّعود ( 2 : 291 ) ، والكاشانيّ ( 2 : 48 ) ، والبروسويّ ( 2 : 411 ) ، والقاسميّ ( 6 : 2052 ) ، وفضل اللّه ( 8 : 242 ) .
ابن عطيّة : وقرأ أكثر النّاس « مثوبة » بضمّ الثّاء وسكون الواو . وقرأ ابن بريدة والأعرج ونبيح وابن عمران ( مثوبة ) بسكون الثّاء وفتح الواو . وقال أبو الفتح : هذا ممّا خرج عن أصله ، شاذّا عن نظائره ، ومثله قول العرب : « الفاكهة مقودة إلى الأذى » بسكون القاف وفتح الواو ، والقياس : مثابة ومقادة .
وأمّا مثوبة بضمّ الثّاء فأصلها : مثوبة ، ووزنها « مفعلة » بضمّ العين ، نقلت حركة الواو إلى الثّاء ، وكانت قبل « مثوبة » مثل مقولة ، والمعنى في القراءتين : مرجعا عند اللّه ، أي في الحشر يوم القيامة ، تقول العرب : ثاب يثوب ، إذا رجع ، منه قوله تعالى :
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً
البقرة : 125 . ( 2 : 210 )
نحوه القرطبيّ . ( 6 : 234 )
النّيسابوريّ : ( مثوبة ) نصب على التّمييز من ( شرّ ) وهي من المصادر الّتي جاءت على مفعول ، كالميسور والمجلود ، ومثلها المشورة . وقرئ ( مثوبة ) كما يقال : مشورة .
والمثوبة : ضدّ العقوبة ، واستعمال أحد الضّدّين مكان الآخر مجاز ، رخّصه إرادة التّهكّم ، مثل :
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
آل عمران : 21 . ( 6 : 123 )
أبو حيّان : مثوبة كمعونة ، وتقدّم توجيه القراءتين في :
لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
البقرة : 103 .
وانتصب ( مثوبة ) هنا على التّمييز ، وجاء التّركيب الأكثر الأفصح من تقديم المفضّل عليه على التّمييز ، كقوله :
وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً
النّساء :
87 ، وتقديم التّمييز على المفضّل أيضا فصيح ، كقوله :
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ
فصّلت : 33 .
وهذه المثوبة هي في الحشر يوم القيامة ، فإن لوحظ أصل الوضع فالمعنى مرجوعا ، ولا يدلّ إذ ذاك على معنى الإحسان ، وإن لوحظ كثرة الاستعمال في الخير والإحسان فوضعت المثوبة هنا موضع العقوبة ، على طريقة بينهم في :
* تحيّة بينهم ضرب وجيع *
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
آل عمران : 21 . ( 2 : 518 )
الآلوسيّ : أي جزاء ثابتا عنده تعالى ، وهو مصدر ميميّ ، بمعنى الثّواب ، ويقال في الخير والشّرّ ، لأنّه ما رجع إلى إنسان من جزاء أعماله سمّي به ، بتصوّر أنّ ما عمله يرجع إليه ، كما يشير إليه قوله تعالى :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا