بأعمالهم الصّالحة في الدّنيا لثواب الدّنيا لا غير .
و ( من ) يحتمل أن تكون موصولة ، والظّاهر أنّها شرط وجوابه الجملة المقرونة بفاء الجواب ، ولا بدّ في الجملة الواقعة جوابا لاسم الشّرط غير الظّرف ، من ضمير عائد على اسم الشّرط حتّى يتعلّق الجزاء بالشّرط ، والتّقدير : ثواب الدّنيا والآخرة له إن أراده ، هكذا قدّره الزّمخشريّ وغيره .
والّذي يظهر أنّ جواب الشّرط محذوف لدلالة المعنى عليه ، والتّقدير : من كان يريد ثواب الدّنيا فلا يقتصر عليه ، وليطلب الثّوابين ، فعند اللّه ثواب الدّنيا والآخرة . [ ثمّ ذكر قول الرّاغب المتقدّم في اللّغة ]
( 3 : 368 )
ابن كثير : أي يا من ليس له همّة إلّا الدّنيا ، اعلم أنّ عند اللّه ثواب الدّنيا والآخرة ، وإذا سألته من هذه وهذه أعطاك وأغناك وأقناك ، كما قال تعالى :
فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ * أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا
البقرة : 200 - 202 الآية ، وقال تعالى :
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ
الشّورى : 20 الآية ، وقال تعالى :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ
- إلى قوله -
انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ
الإسراء : 18 - 21 الآية .
وقد زعم ابن جرير : أنّ المعنى في هذه الآية
مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا
أي من المنافقين الّذين أظهروا الإيمان لأجل ذلك .
فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا
وهو ما حصل لهم من المغانم وغيرها مع المسلمين ، وقوله :
( والآخرة ) أي وعند اللّه ثواب الآخرة ، وهو ما ادّخره لهم من العقوبة في نار جهنّم ، جعلها كقوله :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها
- إلى قوله -
وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
هود : 15 ، 16 .
ولا شكّ أنّ هذه الآية معناها ظاهر ، وأمّا تفسيره الآية الأولى بهذا ففيه نظر ، فإنّ قوله :
فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
ظاهر في حصول الخير في الدّنيا والآخرة ، أي بيده هذا وهذا ، فلا يقتصرنّ قاصر الهمّة على السّعي للدّنيا فقط ، بل لتكن همّته سامية إلى نيل المطالب العالية في الدّنيا والآخرة ، فإنّ مرجع ذلك كلّه إلى الّذي بيده الضّرّ والنّفع ، وهو اللّه الّذي لا إله إلّا الّذي قد قسّم السّعادة والشّقاوة بين النّاس في الدّنيا والآخرة ، وعدل بينهم فيما علمه فيهم ، ممّن يستحقّ هذا وممّن يستحقّ هذا ، ولهذا قال :
وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً .
( 2 : 412 )
نحوه الآلوسيّ ( 5 : 166 ) ، والقاسميّ ( 5 : 1603 ) .
الشّربينيّ :
مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا
الخسيسة الفانية ، كالمجاهد يجاهد للغنيمة لقصور نظره على الخسيس الحاضر ، مع خسّته كالبهائم
فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا
الخسيسة الفانية ، ( والآخرة ) النّفيسة الباقية ، لا عند غيره ، فماله يطلب الخسيس ؟ فليطلبها منه ، كمن يقول : ربّنا آتنا في الدّنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ، أو ليطلب الأشرف منهما . فإنّ من غلب همّته فأقبل بقلبه إليه وقصر همّه عليه ، جمع له سبحانه وتعالى بينهما ، كمن يجاهد للّه خالصا ، يجمع له بين