الزّمخشريّ : من النّصرة والغنيمة والعزّ وطيب الذّكر ، وخصّ ثواب الآخرة بالحسن ، دلالة على فضله وتقدّمه ، وأنّه هو المعتدّ به عنده ،
تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ
الأنفال : 67 . ( 1 : 469 )
ابن الجوزيّ : [ ذكر بعض أقوال المفسّرين وأضاف : ]
وهذا تعليم من اللّه تعالى للمؤمنين ما يفعلون ويقولون عند لقاء العدوّ . ( 1 : 473 )
الفخر الرّازيّ : فيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله :
فَآتاهُمُ اللَّهُ
يقتضي أنّه تعالى أعطاهم الأمرين ، أمّا ثواب الدّنيا ، فهو النّصرة والغنيمة ، وقهر العدوّ والثّناء الجميل ، وانشراح الصّدر بنور الإيمان ، وزوال ظلمات الشّبهات وكفّارة المعاصي والسّيّئات .
وأمّا ثواب الآخرة ، فلا شكّ أنّه هو الجنّة وما فيها من المنافع واللّذّات ، وأنواع السّرور والتّعظيم ، وذلك غير حاصل في الحال . فيكون المراد : أنّه تعالى حكم لهم بحصولها في الآخرة ، فأقام حكم اللّه بذلك مقام نفس الحصول ، كما أنّ الكذب في وعد اللّه والظّلم في عدله محال ، أو يحمل قوله : ( فاتيهم ) على أنّه سيؤتيهم ، على قياس قوله :
أَتى أَمْرُ اللَّهِ
النّحل : 1 ، أي سيأتي أمر اللّه .
قال القاضي : ولا يمتنع أن تكون هذه الآية مختصّة بالشّهداء ، وقد أخبر اللّه تعالى عن بعضهم أنّهم أحياء عند ربّهم يرزقون ، فيكون حال هؤلاء الرّبّيّين أيضا كذلك ، فإنّه تعالى في حال إنزال هذه الآية كان قد آتاهم حسن ثواب الآخرة في جنان السّماء .
المسألة الثّانية : خصّ تعالى ثواب الآخرة بالحسن تنبيها على جلالة ثوابهم ؛ وذلك لأنّ ثواب الآخرة كلّه في غاية الحسن ، فما خصّه اللّه بأنّه حسن من هذا الجنس ، فانظر كيف يكون حسنه ، ولم يصف ثواب الدّنيا بذلك لقلّتها وامتزاجها بالمضارّ وكونها منقطعة زائلة .
قال القفّال رحمه اللّه : يحتمل أن يكون الحسن هو الحسن كقوله :
وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً
البقرة : 83 ، أي حسنا ، والغرض منه المبالغة كأنّ تلك الأشياء الحسنة لكونها عظيمة في الحسن صارت نفس الحسن ، كما يقال :
فلان جود وكرم ، إذا كان في غاية الجود والكرم ، واللّه أعلم .
المسألة الثّالثة : قال فيما تقدّم :
وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها
فذكر لفظة ( من ) الدّالّة على التّبعيض ، فقال في هذه الآية :
فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ
ولم يذكر كلمة ( من ) ، والفرق : أنّ الّذين يريدون ثواب الآخرة إنّما اشتغلوا بالعبوديّة لطلب الثّواب ، فكانت مرتبتهم في العبوديّة نازلة . وأمّا المذكورون في هذه الآية فإنّهم لم يذكروا في أنفسهم إلّا الذّنب والقصور ، وهو المراد من قوله :
اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا
آل عمران : 147 ، ولم يروا التّدبير والنّصرة والإعانة إلّا من ربّهم ، وهو المراد بقوله :
وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ
فكان مقام هؤلاء في العبوديّة في غاية الكمال ، فلا جرم أولئك فازوا ببعض الثّواب ، وهؤلاء فازوا بالكلّ ، وأيضا