تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 701

مساهمون:

ص٧٠١
فإن قيل : كون البيت مثابة يحصل بمجرّد عودهم إليه ، وذلك يحصل بفعلهم لا بفعل اللّه تعالى ، فما معنى قوله :
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ
البقرة : 125 . قلنا : أمّا على قولنا ففعل العبد مخلوق للّه تعالى ، فهذه الآية حجّة على قولنا في هذه المسألة . وأمّا على قول المعتزلة فمعناه أنّه تعالى ألقى تظيمه « 1 » في القلوب ليصير ذلك داعيا لهم إلى العود إليه مرّة بعد أخرى ، وإنّما فعل اللّه تعالى ذلك لما فيه من منافع الدّنيا والآخرة . أمّا منافع الدّنيا فلأنّ أهل الشّرق والمغرب يجتمعون هناك ، فيحصل هناك من التّجارات وضروب المكاسب ما يعظم به النّفع ، وأيضا فيحصل بسبب السّفر إلى الحجّ عمارة الطّرق والبلاد ، ومشاهدة الأحوال المختلفة في الدّنيا . وأمّا منافع الدّين فلأنّ من قصد البيت رغبة منه في النّسك والتّقرّب إلى اللّه تعالى ، وإظهار العبوديّة له ، والمواظبة على العمرة والطّواف ، وإقامة الصّلاة في ذلك المسجد المكرّم والاعتكاف فيه ، يستوجب بذلك ثوابا عظيما عند اللّه تعالى . تمسّك بعض أصحابنا في وجوب العمرة بقوله تعالى :
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ
ووجه الاستدلال به أنّ قوله :
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ
إخبار عن أنّه تعالى جعله موصوفا بصفة كونه مثابة للنّاس . لكن لا يمكن إجراء الآية على هذا المعنى ، لأنّ كونه
( مَثابَةً لِلنَّاسِ )
صفة تتعلّق باختيار النّاس ، وما يتعلّق باختيار النّاس لا يمكن تحصيله بالجبر والإلجاء . وإذا ثبت تعذّر إجراء الآية على ظاهرها ، وجب حمل الآية على الوجوب ، لأنّا متى حملناه على الوجوب كان ذلك أفضى إلى صيرورته ، كذلك ممّا إذا حملناه على النّدب ، فثبت أنّ اللّه تعالى أوجب علينا العود إليه مرّة أخرى ، وقد توافقنا على أنّ هذا الوجوب لا يتحقّق فيما سوى الطّواف ، فوجب تحقّقه في الطّواف . هذا وجه الاستدلال بهذه الآية ، وأكثر من تكلّم في أحكام القرآن طعن في دلالة هذه الآية على هذا المطلوب ، ونحن قد بيّنّا دلالتها عليه من هذا الوجه الّذي بيّنّاه . ( 4 : 51 ) البيضاويّ : مرجعا يثوب إليه أعيان الزّوّار وأمثالهم ، أو موضع ثواب يثابون بحجّه واعتماره . وقرئ ( مثابات ) أي لأنّه مثابة كلّ أحد . ( 1 : 81 ) نحوه أبو السّعود ( 1 : 194 ) ، وشبّر ( 1 : 142 ) ، والمراغيّ ( 1 : 211 ) . الكاشانيّ : مرجعا ومحلّ عود . ( 1 : 170 ) القاسميّ : مباءة ومرجعا للحجّاج والعمّار ، يتفرّقون عنه ثمّ يثوبون إليه . ومثابة « مفعلة » من الثّوب ، وهو الرّجوع ، تراميا إليه بالكلّيّة . وسرّ هذا التّفضيل ظاهر في انجذاب الأفئدة وهوى القلوب وانعطافها ومحبّتها له ، فجذبه للقلوب أعظم من جذب المغناطيس للحديد ، فهو الأولى بقول القائل :
محاسنه هيولى كلّ حسن * ومغناطيس أفئدة الرّجال
فهم يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار ، ولا يقضون منه وطرا بل كلّما ازدادوا له زيارة ازدادوا له اشتياقا . ( 2 : 247 )
هامش
( 1 ) كذا والظّاهر : تعظيمه .