الطّبريّ إلى معنى واحد .
قال الرّضيّ في توجيه الاستعارة : « لأنّ المستقبل لسماع الشّيء الّذي لا يلائمه في الأكثر يصرف دونه بصره ، ويثني عنه عنقه » . وقال الزّمخشريّ : « ثني العطف : عبارة عن الكبر والخيلاء ، كتصعير الخدّ وليّ الجيد » . وقال ابن عطيّة : « وذلك أنّ صاحب الكبر يردّ وجهه عمّا يتكبّر عنه ، فهو يردّ وجهه ، ويصعّر خدّه ، ويولّي صفحته ، ويلوي عنقه ، ويثني عطفه ، وهذه عبارات المفسّرين » . وقال القرطبيّ : « ثنى فلان عنّي عطفه ، إذا أعرض عنك ، فالمعنى أي هو معرض عن الحقّ في جداله ، ومولّ عن النّظر في كلامه ، وهو كقوله :
وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها
لقمان : 7 ، و
لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ
المنافقون : 5 ، و
أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ
الإسراء : 83 ، و
ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى
القيامة :
33 . وقال الطّباطبائيّ : « كناية عن الإعراض ، كأنّ المعرض يكسر أحد جانبيه على الآخر » .
ويبدو أنّ أنصار الرّأي الثّاني في هذه الآية أقوى بيانا وأصلب عودا .
2 - هناك وجه اشتراك وافتراق بين هذه الآية وآية
يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ ،
فكلاهما نزلت بشأن المنكرين للحقّ من هذه الأمّة . وقد مضى أنّ تلك الآية جاءت في شأن الّذين أعرضوا عن استماع الكتاب ، وثنوا صدورهم ، ليستخفوا عن النّبيّ عليه السّلام . وجاءت هذه الآية في الّذين يجادلون في اللّه بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ، فيثنون أعطافهم ، ليضلّوا عن سبيل اللّه . ولسانها أشقّ وأعتى من الأوّل ، لأنّهم كانوا يعرضون هناك ، لئلّا يسمعوا كلام اللّه ، وهنا يعرضون ليجادلوا الحقّ ، وليضلّوا الآخرين عن سبيل اللّه . ولهذا اختلفتا في التّعبير ، فثني الصّدور في الأوّل ذريعة لعدم السّماع ، وثني العطف في الثّاني ذريعة لردّ الحقّ وإضلال الآخرين .
فالأوّل يصوّر حالة الإعراض والفرار ، والثّاني يصوّر حالة الهجوم والخصام .
3 - قالوا في إعراب
( ثانِيَ عِطْفِهِ )
: إنّه حال عن ضمير الفاعل في ( من يجادل ) ، أي يجادل وهو ثان عطفه ، إعراضا واستكبارا ؛ قال ابن عطيّة : « ولا يجوز أن تكون حالا من ( من ) ، لأنّها ابتداء ، والابتداء إنّما عمله الرّفع لا النّصب » .
4 - قال الزّجّاج : الإضافة معناها التّنوين ، أي ثانيا عطفه ، وقال ابن عطيّة : « إضافة غير معتدّ بها ، لأنّها في معنى الانفصال ؛ إذ تقديرها ثانيا عطفه » . ويظهر منهما أنّهما لم يريا في هذه الإضافة وجها ؛ حيث لم يعتدّا بها .
وعندنا أنّ الإضافة تصوّر لنا اتّصال إعراضه بجداله أشدّ ممّا لو جاء منفصلا عنه ، فإنّ الحال يصوّر دائما حالة الفاعل حين صدور الفعل منه ، والإضافة تشدّد هذه الحالة ، فلها معنى لا ينبغي إهماله .
5 - عدّ أبو السّعود والآلوسيّ
( ثانِيَ عِطْفِهِ )
حالا بعد حال ، زعما منهما أنّ
بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ
حال عن ( يجادل ) ، أي أنّه يجادل حال كونه بغير علم . . . وحال كونه ثانيا عطفه . وعندنا أنّ ( بغير علم ) ليس حالا عنه ، بل هو متعلّق به تعلّق الجار والمجرور بالفعل ، مثل :
وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ
المؤمن : 5 ، و
جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
النّحل : 125 ،