سياق قول نوح وقد سبق . كما أنّ حمل الآيات على ظاهرها ما أمكن أولى من حملها على الكناية والمجاز ، ويشهد به قوله :
أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ ،
أي إذا طووا صدورهم ، واستغشوا ثيابهم ، ليستخفوا من الرّسول ، فاللّه يعلم ما يسرّون في قلوبهم وما يعلنون . ونصّ رشيد رضا أوفى ببيان المراد ، فلاحظ .
الثّالثة : كلّ من حمل الآية على ظاهر اللّغة فسّر
يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ
بانحنائها وعطفها على البطون قدما ، وأرجع الضّمير في « منه » إلى اللّه أو النّبيّ . واختصّ الطّباطبائيّ بقوله : « إنّهم يميلون بصدورهم إلى خلف ، ويطأطئون رؤوسهم ، ليتخفّوا من الكتاب ، أي من استماعه حين تلاوته . . . » ، أنّهم عكسوا ، فردّوا صدورهم إلى خلفهم ، وهذا لا يوافق قوله : « ويطأطئون رؤوسهم » ، إلّا أن يريد يميلون ظهورهم إلى الخلف . ثمّ قوله : « ليتخفّوا من الكتاب » إرجاع للضّمير إلى الأبعد دون الأقرب ، رغم أنّه لا معنى للاستخفاء من الكتاب ، إلّا بتكلّف لا يقبله الذّوق السّليم .
المحور الثّاني ( 2 ) : ( ولا يستثنون ) ، وفيه بحوث :
الأوّل : ذكروا له معنيين : 1 - لم يقولوا : « إن شاء اللّه » ، ونسبه الرّازيّ إلى جماعة من المفسّرين .
2 - لم يستثنوا من ثمار الجنّة شيئا للفقراء .
وللاستثناء بالمعنى الأوّل شواهد في القرآن ، فقد أمر اللّه به في قوله :
وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً * إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
الكهف : 23 ، 24 ، فعمل اللّه به والأنبياء : في آيات :
قال اللّه :
لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ . . .
الفتح : 27 .
وقال إسماعيل لأبيه لمّا اقترح عليه ذبحه :
يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ
الصّافّات : 102 .
وقال شعيب لموسى لمّا أراد أن يستأجره :
وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ
القصص : 27 .
وقال موسى للخضر : لمّا أراد أن يلازمه :
سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً
الكهف : 69 .
وقال بنو إسرائيل لموسى :
إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ
البقرة : 70 .
وقال يوسف لإخوته :
ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ
يوسف : 99 .
الثّاني : اختلفوا في وجه تسمية قول : « إن شاء اللّه » استثناء ، فقال الطّبرسيّ : أصل الثّني العطف ، نقول : ثنيته من كذا ، أي عطفته ، ومنه : الاثنان ، لعطف أحدهما على الآخر في المعنى ، ومنه : الثّناء ، لعطف المناقب في المدح ، ومنه : الاستثناء ، لأنّه عطف عليه بالإخراج منه .
وقال الطّوسيّ : قول القائل : لأفعلنّ كذا إلّا أن يشاء اللّه استثناء ، ومعناه إن شاء منعني أو يمكّن مانعي ، ومثله الطّبرسيّ .
وقال الزّمخشريّ : لأنّه يؤدّي مؤدّى الاستثناء ، من حيث إنّ معنى قولك : لأخرجنّ إن شاء اللّه ، ولا أخرج إلّا أن يشاء اللّه ، واحد .
وقال الفخر الرّازيّ : وأصل هذا من الثّني ، وهو