الكفّ والرّدّ ، وذلك أنّ الحالف إذا قال : واللّه لأفعلنّ كذا إلّا أن يشاء اللّه غيره ، فقد ردّ انعقاد ذلك اليمين .
وقال البيضاويّ : وإنّما سمّاه استثناء لما فيه من الإخراج ، غير أنّ المخرج به خلاف المذكور ، والمخرج بالاستثناء عينه ، ثمّ ذكر ما قاله الزّمخشريّ .
والرّأي عندنا أنّ هذه الجملة تأتي غالبا مع « إلّا » الاستثنائيّة ، كما أمر اللّه :
وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً * إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ،
أي أن تقولوا :
إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ،
فهذا من قبيل استعمال العامّ في بعض أفراده ، وقد غلب عليه في الشّريعة تبعا لهذه الآية .
الثّالث : وأمّا وجه تسمية « إلّا كذا » استثناء فعن الطّبرسيّ : لأنّه عطف عليه بالإخراج منه .
وعن « تاج المصادر » : أنّ الباب يدلّ على تكرير الشّيء مرّتين ، أو جعله شيئين متواليين أو متباينين ، والاستثناء من قياس الباب ؛ وذلك أنّ ذكره يثنّى مرّة في الجملة ومرّة في التّفصيل ، لأنّك إذا قلت : خرج النّاس ، ففي النّاس زيد وعمرو ، فإذا قلت : إلّا زيدا ، فقد ذكرت زيدا مرّة أخرى ذكرا ظاهرا .
وعن الرّاغب : الاستثناء : إيراد لفظ رفع بعض ما يوجبه عموم لفظ متقدّم ، أو يقتضي رفع حكم اللّفظ ، كما هو .
فيدور الأمر في تسميته « استثناء » بين كونه عطفا ، أو تكرارا ، أو رفعا لما قبله ، والمناسب لمادّة « ث ن ي » هو الأوّل ثمّ الثّاني ، والرّاغب إنّما فسّر معناه الاصطلاحيّ ، ولم يشر إلى وجه تسميته به .
الرّابع : تعليق العبد فعله المستقبل على مشيئة اللّه بيان للواقع ، فإنّ الأمور كلّها بيد اللّه وموكولة إلى مشيئته ، وقد دلّت عليه الآيات الكثيرة ، فلاحظ « ش ي أ » .
فهذا رمز التّوحيد العمليّ ، فإذا قال العبد : إنّي فاعل كذا غدا ، ولم يقل : إن شاء اللّه ، فقد اعتمد على نفسه ، واتّكأ على ظاهر الأسباب ، ولم يجعل للّه دخلا فيما سيفعله ، مع أنّ الأسباب ليست كلّها بيده ، بل هي تجري حسب مشيئة اللّه دائما ، كما قال الشّاعر :
* تجري الرّياح بما لا تشتهي السّفن *
فالاستثناء شعار توحيديّ تماما .
وقال الفخر الرّازيّ : « إنّما لم يستثنوا بمشيئة اللّه ، لأنّهم كانوا كالواثقين بأنّهم يتمكّنون من ذلك لا محالة » .
الخامس : وأمّا تفسير
( وَلا يَسْتَثْنُونَ )
بأن لا يستثنون للفقراء سهما ، فقد حكي عن عكرمة أوّلا ، ثمّ تبعه الآخرون ، فذكروه وجها من الوجوه غير قاطعين به ، وإنّما رجّحه بعض المتأخّرين ، أمّا الطّبريّ فاقتصر على القول الأوّل . وذكر الماورديّ وجها ثالثا نقلا عن أبي صالح ، وهو قول : « سبحان اللّه ربّنا » وله شاهد من القرآن ، فقد جاء في ذيل القصّة في سورة القلم ( 26 - 29 ) :
فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قالَ أَوْسَطُهُمْ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ * قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ
كما أنّ في الآيات ( 23 - 25 ) شاهدا على القول الثّاني أيضا :
فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ * أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ .
وكذا تشعر به الآيات ( 12 - 14 ) قبلها
مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ * أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ .