السّادس : ولعلّ ما يحلّ المشكلة هو لحاظ قصّة أصحاب الجنّة المذكورة في القرآن والتّفسير :
أمّا القرآن فقد جاء في الكهف ( 32 - 43 ) ابتداء من
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ
وانتهاء ب
وَما كانَ مُنْتَصِراً .
وقد اغترّ صاحب الجنّتين بهما ، وأنكر قيام السّاعة ، فقال له صاحبه وهو يحاوره ردّا عليه كفره وشركه قائلا له :
وَلَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ . . . ،
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ،
وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً .
فيحتمل أن تكون آيات سوره القلم إشارة إلى ما في هذه الآيات من سورة الكهف ، ويؤيّده أنّ
وَلَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ . . .
هو نوع استثناء وتوكيل لأمر الجنّة على اللّه .
وأمّا التّفسير فقد روى الطّبرسيّ ( 5 : 336 ) عن سعيد بن جبير أنّ هذه الجنّة - الّتي في سورة القلم - حديقة كانت باليمن في قرية يقال لها : « صروان » ، بينها وبين صنعاء اثنا عشر ميلا ، وكانت لشيخ كان يملك منها قدر كفايته وكفاية أهله ، ويتصدّق بالباقي . فلمّا مات قال بنوه : نحن أحقّ بها لكثرة عيالنا ، ولا يسعنا أن نفعل كما فعل أبونا ، وعزموا على حرمان المساكين ، فصارت عاقبتهم إلى ما قصّ اللّه في كتابه ، وهو قوله :
إِذْ أَقْسَمُوا
أي حلفوا وتعاهدوا فيما بينهم
لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ
فالآيات في سورة الكهف تؤيّد الرّأي الأوّل ، وهذه الآيات تؤيّد الرّأي الثّاني .
السّابع : وفي إعراب
( وَلا يَسْتَثْنُونَ )
خلاف ، فعند القاسميّ أنّه عطف على
( لَيَصْرِمُنَّها )
في قوله :
إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ ،
وأنّه جزء من المقسم عليها ، أي أقسموا ليصرمنّها ولا يستثنون .
وعند البروسويّ أنّ الجملة مستأنفة ، أو حال بعد حال ، أي هي عطف على ( مصبحين ) ، لأنّه حال أيضا ، وقال : « وجعل ترك الاستثناء حالا منه يفيد أصالته وقوّته في اقتضاء الحرمان » .
واستظهر الآلوسيّ : « أنّها - على القولين في معنى الجملة - عطف على ( اقسموا ) ، أي أقسموا ولم يستثنوا ، وأنّه إنّما عدل عن الإقسام إلى ترك الاستثناء استحضارا للصّورة ، لما فيها نوع غرابة ، لأنّ اللّائق في الحالف على ما يلزم منه ترك طاعة الاستثناء » .
فدار الأمر في إعرابه بين أربعة وجوه : عطف على ( اقسموا ) أو على ( ليصرمنّها ) أو على ( مصبحين ) ، أو استئناف . وعندنا أنّ الاستئناف لا وجه له مع ظهور « الواو » في العطف ، وأنّه لا معنى للاستئناف في سرد القصّة . والأولى عطفه على ( اقسموا ) ، لأنّها أوّل القصّة ، وذيلها تبع لها ، وأولى منه كونها حالا من ( اقسموا ) بكلا معنييه ، أي أقسموا تاركين الاستثناء ، وهذا أمسّ وأنسب بالمعنى الأوّل .
المحور الثّالث ( 3 ) :
ثانِيَ عِطْفِهِ ،
وفيه بحوث :
1 - في معناه قولان أيضا ، كما مضى في
يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ ،
فحمله بعضهم على ظاهره ، أي ثنى عنقه أو منكبه أو جانبه ، لاحظ ( ع ط ف ) . وجعله بعضهم استعارة عن كبره وإعراضه عن الحقّ ، وقد أرجعهما