« قراءة الأمصار » ، واختارها لإجماع الحجّة من القرّاء عليها ، وعبّر عنها أبو حيّان والعكبريّ ب « قراءة الجمهور » . وأمّا هذه القراءة فهي
يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ
بفتح الياء من ( يثنون ) ونصب ( صدورهم ) مفعولا للفعل .
الثّانية : تعني مادّة « ث ن ي » في الأصل - كما سبق - العطف والطّيّ ، وقد فسّروها في الآية تارة حسب ظاهر اللّغة ، أي طووا صدورهم على بطونهم ، وأخرى تجوّزا كناية عن طيّ وإخفاء بغضهم وكفرهم في قلوبهم .
وتوضيحها أنّ قبلها
الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ . . .
وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ * إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .
ثمّ قال :
أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
هود : 1 - 5 ، فهناك ذكر للكتاب وللّه وللرّسول ، لأنّ سياقها أنّ النّبيّ نذير وبشير لهم من اللّه ، وأنّه قال لهم :
وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ . . . .
وأنّهم كانوا إذا تلا النّبيّ عليهم الكتاب وأنذرهم وبشّرهم ، كانوا
يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ ،
أي كانوا يطأطئون رؤوسهم ، ويعطفون صدورهم على بطونهم ، ليستخفوا من النّبيّ وفي نفس الوقت كانوا يستغشون ثيابهم إمعانا في الاستخفاء منه ، لئلّا يراهم يستمعون إليه ، وإشعارا بأنّهم لا يسمعون كلامه بتاتا .
فسياقها سياق قول نوح :
وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً
نوح : 7 .
قال قتادة : « كانوا يحنون صدورهم لكيلا يسمعوا كتاب اللّه . . . وذلك أخفى ما يكون ابن آدم إذا حنى صدره ، واستغشى بثوبه ، وأضمر همّه في نفسه ، فإنّ اللّه لا يخفى ذلك عليه » . وقال ابن عطيّة : « تطامنوا وثنوا صدورهم كالمستتر ، وردّوا إليه ظهورهم ، وغشّوا وجوههم بثيابهم ، تباعدا عنه ، وكراهة للقائه ، وهم يظنّون أنّ ذلك يخفى عليه وعلى اللّه » . ونظيرها قوله :
( ثاني عطفه ) ، كما يأتي في المحور الثّالث .
وعليه فالضّمير في ( منه ) يرجع إلى النّبيّ ، والعجب من الطّبريّ ! حيث أرجعه إلى اللّه ، ظنّا منه أنّه لم يجر لمحمّد ذكر ، رغم أنّه ذكر مرّتين :
إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ
و
فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ .
وقد فسّرها كثير منهم تجوّزا واستعارة بأنّهم يسرّون في صدورهم بغضهم للنّبيّ وكفرهم به ، أو ينحرفون عن الحقّ ؛ قال الزّمخشريّ : « يزورّون عن الحقّ ، وينحرفون عنه ، لأنّ من أقبل على الشّيء استقبله بصدره ، ومن ازورّ عنه وانحرف ، ثنى عنه صدره ، وطوى عنه كشحه » . وقال ابن عطيّة : « وقيل :
هي استعارة للغلّ والحقد الّذي كانوا ينطوون عليه ، كما تقول : فلان يطوي كشحه على عداوته ، ويثني صدره عليها . فمعنى الآية ألا إنّهم يسرّون العداوة ، ويتكتّمون بها ، لتخفى في ظنّهم عن اللّه ، وهو تعالى حين تغشّيهم ثيابهم وإبلاغهم في التّستّر يعلم ما يسرّون » ، وهذا أحد الوجهين عند الفخر الرّازيّ .
وعندنا أنّ الوجه الأوّل أولى بالسّياق ، وأنّ سياقه