البروسويّ : [ نحو الزّمخشريّ وأضاف : ]
ويصحّ أن يقال للقرآن : مثاني لما يثنّى ويتجدّد حالا فحالا من فوائده ، كما جاء في نعته ، ولا تنقضي عجائبه .
ويجوز أن يكون ذلك من « الثّناء » تنبيها على أنّه أبدا يظهر منه ما يدعو إلى الثّناء عليه وعلى من يتلوه ويعلمه ويعمل به ، وعلى هذا الوجه وصفه بالكرم في قوله :
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ
الواقعة : 77 ، وبالمجد في قوله :
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ
البروج : 21 .
أو هو جمع « مثنى » بفتح الميم وإسكان الثّاء « مفعل » من التّثنية ، بمعنى التّكرير والإعادة ، كما في قوله تعالى :
ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ
الملك : 4 ، أي كرّة بعد كرّة .
أو جمع « مثنى » بضمّ الميم وسكون الثّاء وفتح النّون ، أي مثنى عليه بالبلاغة والإعجاز ، حتّى قال بعضهم لبعض : ألا سجدت لفصاحته ؟
ويجوز أن يكون بكسر النّون ، أي مثن عليّ بما هو أهله من صفاته العظمى . [ إلى أن قال : ]
وفي « التّأويلات النّجميّة » القرآن كتاب متشابه في اللّفظ ، مثاني في المعنى من وجهين :
أحدهما : أنّ لكلّ لفظ منه معاني مختلفة ، بعضها يتعلّق بلغة العرب ، وبعضها يتعلّق بإشارات الحقّ ، وبعضها يتعلّق بأحكام الشّرع ، كمثل الصّلاة ؛ فإنّ معناها في اللّغة : الدّعاء ، وفي أحكام الشّرع عبارة عن هيئات وأركان وشرائط وحركات مخصوصة بها ، وفي إشارة الحقّ تعالى هي الرّجوع إلى اللّه ، كما جاء روحه من الحضرة بالنّفخة الخاصّة إلى القالب ، فإنّه عبّر على القيام الّذي يتعلّق بالسّماوات ، ثمّ على الرّكوع الّذي يتعلّق بالحيوانات ، ثمّ على السّجود الّذي يتعلّق بالنّباتات ، ثمّ على التّشهّد الّذي يتعلّق بالمعادن .
فبالصّلاة يشير اللّه عزّ وجلّ إلى رجوع الرّوح إلى حضرة ربّه على طريق جاء منها ، ولهذا قال النّبيّ عليه السّلام :
« الصّلاة معراج المؤمنين » .
والوجه الثّاني : أنّ لكلّ آية تشبّها بآية أخرى ، من حيث صورة الألفاظ ، ولكنّ المعاني والإشارات والأسرار والحقائق مثاني فيها إلى ما لا ينتهي ، وإلى هذا يشير بقوله :
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً
الكهف : 109 .
( 8 : 97 )
الشّوكانيّ : صفة أخرى ل ( كتابا ) أي تثنّى فيه القصص ، وتتكرّر فيه المواعظ ، والأحكام . وقيل : يثنّى في التّلاوة ، فلا يملّ سامعه ولا يسأم قارئه .
قرأ الجمهور ( مثاني ) بفتح الياء ، وقرأ هشام عن ابن عامر ، وبشر بسكونها تخفيفا ، واستثقالا لتحريكها ، أو على أنّها خبر مبتدإ محذوف ، أي هو مثاني . [ ونقل كلام الفخر الرّازيّ ثمّ قال : ]
ولا يخفى ما في كلامه هذا من التّكلّف ، والبعد عن مقصود التّنزيل . ( 4 : 575 )
الآلوسيّ : ( مثاني ) صفة أخرى ل ( كتابا ) أو حال أخرى منه ، وهو جمع « مثنّى » بضمّ الميم وفتح النّون المشدّدة ، على خلاف القياس ؛ إذ قياسه « مثنّيات » بمعنى مردّد ومكرّر لما كرّر وثنّي من أحكامه ومواعظه وقصصه . وقيل : لأنّه يثنّى في التّلاوة .
وجوّز أن يكون جمع « مثنى » بالفتح مخفّفا ، من التّثنية ، بمعنى التّكرير والإعادة ، كما كان قوله تعالى :