ولعلّ في ذلك كفاية وغنى عمّا ذكروه من مختلف المعاني ، كما في « الكشّاف » وحواشيه و « المجمع » و « روح المعاني » وغيرها ، كقولهم : إنّها من التّثنية أو الثّني ، بمعنى التّكرير والإعادة ، سمّيت آيات القرآن مثاني لتكرّر المعاني فيها .
وكقولهم : سمّيت الفاتحة مثاني لوجوب قراءتها في كلّ صلاة مرّتين ، أو لأنّها تثنّى في كلّ ركعة بما يقرؤ بعدها من القرآن ، أو لأنّ كثيرا من كلماتها مكرّرة كالرّحمان والرّحيم وإيّاك والصّراط وعليهم ، أو لأنّها نزلت مرّتين : مرّة بمكّة ومرّة بالمدينة ، أو لما فيها من الثّناء على اللّه ، أو لأنّ اللّه استثناها وادّخرها لهذه الأمّة ولم ينزلها على الأمم الماضين ، كما في الرّواية ، إلى غير ذلك من الوجوه المذكورة في التّفاسير . ( 12 : 190 )
مكارم الشّيرازيّ : يواسي اللّه تعالى نبيّه الكريم صلّى اللّه عليه وآله ، أن لا تقلق من وحشيّة الأعداء وكثرتهم ، وما يملكون من إمكانات مادّيّة واسعة ، لأنّ اللّه أعطاك ما لا يقف أمامه شيء
وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ
الحجر : 87 .
وكما هو معلوم ، فإنّ « السّبع » هو العدد سبعة و ( المثاني ) هو العدد اثنان ، ولذا اعتبر أكثر المفسّرين أنّ ( سبعا من المثاني ) كناية عن سورة الحمد ، والرّوايات كذلك تشير لهذا المعنى .
والدّاعي لذلك كونها تتألّف من سبع آيات ، لأهمّيّتها وعظمة محتواها ، فقد نزلت مرّتين على النّبيّ محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، أو لأنّها تتكوّن من قسمين : فنصفها حمد وثناء للّه عزّ وجلّ ، والنّصف الآخر دعاء عبادة ، أو لأنّها تقرأ مرّتين في كلّ صلاة .
واحتمل بعض المفسّرين أنّ « السّبع » إشارة إلى السّور السّبع الطّوال الّتي ابتدأ بها القرآن ، و ( المثاني ) كناية عن نفس القرآن ، لأنّه نزل مرّتين على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله :
مرّة بصورة كاملة ، وأخرى نزل نزولا تدريجيّا ، حسب الاحتياج إليه في أزمنة مختلفة .
وعلى هذا يكون معنى
سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي
سبع سور مهمّات من القرآن ، دليلهم في ذلك الآية الثّالثة والعشرون من سورة الزّمر ؛ حيث يقول تعالى :
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ
أي مرّتين على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله .
ولكنّ التّفسير الأوّل يبدو أكثر صوابا ، خصوصا وأنّ روايات أهل البيت عليهم السّلام تشير إلى أنّ « السّبع المثاني » هي سورة الحمد .
واعتبر الرّاغب في « مفرداته » أنّ كلمة ( المثاني ) أطلقت على القرآن لما يتكرّر من قراءة آياته ، وهذا التّكرار هو الّذي يحفظه من التّلاعب والتّحريف ، إضافة إلى أنّ حقيقة القرآن لها تجلّ جديد في كلّ زمان ، عمّا ينبغي له أن يوصف بالمثاني .
وعلى أيّة حال ، فذكر عبارة
الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ
بعد ذكر سورة الحمد ، بالرّغم من أنّها جزء منه ، دليل آخر على شرف وأهمّيّة هذه السّورة المباركة ، وكثيرا ما يذكر الجزء مقابل الكلّ لأهمّيّته ، وهو كثير الاستعمال في الأدب العربيّ وغيره .
وخلاصة المطاف أنّ اللّه تعالى قد صرح لنبيّه الكريم صلّى اللّه عليه وآله بأنّك قد ملكت سندا عظيما « القرآن »