والتّوبة معا . قالوا : وسمّيت هذه السّور مثاني ، لأنّ الفرائض والحدود والأمثال والعبر ثنّيت فيها ، وأنكر الرّبيع هذا القول . وقال : هذه الآية مكّيّة ، وأكثر هذه السّور السّبعة مدنيّة . وما نزل شيء منها في مكّة ، فكيف يمكن حمل هذه الآية عليها ؟
وأجاب قوم عن هذا الإشكال : بأنّ اللّه تعالى أنزل القرآن كلّه إلى السّماء الدّنيا . ثمّ أنزله على نبيّه منها نجوما ، فلمّا أنزله إلى السّماء الدّنيا ، وحكم بإنزاله عليه ، فهو من جملة ما آتاه ، وإن لم ينزل عليه بعد .
ولقائل أن يقول : إنّه تعالى قال :
وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي
وهذا الكلام إنّما يصدق إذا وصل ذلك الشّيء إلى محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم . فأمّا الّذي أنزله إلى السّماء الدّنيا وهو لم يصل بعد إلى محمّد عليه السّلام ، فهذا الكلام لا يصدق فيه . وأمّا قوله : بأنّه لمّا حكم اللّه تعالى بإنزاله على محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم كان ذلك جاريا مجرى ما نزل عليه ، فهذا أيضا ضعيف ، لأنّ إقامة ما لم ينزل عليه مقام النّازل عليه ، مخالف للظّاهر .
والقول الثّالث : في تفسير « السّبع المثاني » أنّها هي السّور الّتي هي دون الطّوال والمئين ، وفوق المفصّل .
واختار هذا القول قوم واحتجّوا عليه بما روى ثوبان : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : إنّ اللّه أعطاني السّبع الطّوال مكان التّوراة ، وأعطاني المئين مكان الإنجيل ، وأعطاني المثاني مكان الزّبور ، وفضّلني ربّي بالمفصّل .
قال الواحديّ : والقول في تسمية هذه السّور مثاني كالقول في تسمية الطّوال مثاني .
وأقول : إن صحّ هذا التّفسير عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فلا غبار عليه ، وإن لم يصحّ فهذا القول مشكل ، لأنّا بيّنّا أنّ المسّمى ب « السّبع المثاني » يجب أن يكون أفضل من سائر السّور ، وأجمعوا على أنّ هذه السّور الّتي سمّوها بالمثاني ليست أفضل من غيرها ، فيمتنع حمل السّبع المثاني على تلك السّور .
والقول الرّابع : أنّ « السّبع المثاني » هو القرآن كلّه ، وهو منقول عن ابن عبّاس في بعض الرّوايات ، وقول طاووس ، قالوا : ودليل هذا القول قوله تعالى :
كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ
فوصف كلّ القرآن بكونه مثاني . ثمّ اختلف القائلون بهذا القول في أنّه ما المراد بالسّبع ، وما المراد بالمثاني ؟
أمّا السّبع فذكر فيها وجوها : أحدها : أنّ القرآن سبعة أسباع . وثانيها : أنّ القرآن مشتمل على سبعة أنواع من العلوم : التّوحيد ، والنّبوّة ، والمعاد ، والقضاء ، والقدر ، وأحوال العالم ، والقصص ، والتّكاليف . وثالثها :
أنّه مشتمل على الأمر والنّهي ، والخبر والاستخبار ، والنّداء والقسم ، والأمثال .
وأمّا وصف كلّ القرآن بالمثاني ، فلأنّه كرّر فيه دلائل التّوحيد والنّبوّة والتّكاليف . وهذا القول ضعيف أيضا ، لأنّه لو كان المراد بالسّبع المثاني القرآن ، لكان قوله
وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ
عطفا للشّيء على نفسه ، وذلك غير جائز .
وأجيب عنه بأنّه إنّما حسن إدخال حرف العطف فيه لاختلاف اللّفظين . [ ثمّ استشهد بشعر وقال : إنّهم أجمعوا على أنّ الأصل خلافه ]
والقول الخامس : يجوز أن يكون المراد بالسّبع :