( من ) في قوله يكون للتّبعيض ، ومن قال : إنّها الحمد كان ( من ) للتّبيين . [ ثمّ استشهد بشعر ] ( 3 : 345 )
الفخر الرّازيّ : اعلم أنّ قوله :
آتَيْناكَ سَبْعاً
يحتمل أن يكون سبعا من الآيات ، وأن يكون سبعا من السّور ، وأن يكون سبعا من الفوائد . وليس في اللّفظ ما يدلّ على التّعيين .
وأمّا المثاني : فهو صيغة جمع ، واحده : مثناة ، والمثناة :
كلّ شيء يثنّى ، أي يجعل اثنين ، من قولك : ثنيت الشّيء ، إذا عطفته أو ضممت إليه آخر ، ومنه يقال لركبتي الدّابّة ومرفقيها : مثاني ، لأنّها تثني بالفخذ والعضد ، ومثاني الوادي : معاطفه .
إذا عرفت هذا فنقول :
سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي
مفهومه سبعة أشياء من جنس الأشياء الّتي تثنّى .
ولا شكّ أنّ هذا القدر مجمل ولا سبيل إلى تعيينه إلّا بدليل منفصل . [ ثمّ ذكر الأقوال المتقدّمة من المفسّرين وقال : ]
واعلم أنّا إذا حملنا قوله :
سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي
على سورة الفاتحة فهاهنا أحكام :
الحكم الأوّل : نقل القاضي عن أبي بكر الأصمّ أنّه قال : كان ابن مسعود لا يكتب في مصحفه « فاتحة الكتاب » رأى أنّها ليست من القرآن .
وأقول : لعلّ حجّته فيه أنّ « السّبع المثاني » لمّا ثبت أنّه هو الفاتحة ، ثمّ إنّه تعالى عطف السّبع المثاني على القرآن ، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه ، وجب أن يكون السّبع المثاني غير القرآن ، إلّا أنّ هذا يشكل بقوله تعالى :
وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ
الأحزاب : 7 ، وكذلك قوله :
وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ
البقرة : 98 .
وللخصم أن يجيب : بأنّه لا يبعد أن يذكر الكلّ ، ثمّ يعطف عليه ذكر بعض أجزائه وأقسامه ، لكونه أشرف الأقسام . أمّا إذا ذكر شيء ثمّ عطف عليه شيء آخر كان المذكور أوّلا مغايرا للمذكور ثانيا . وهاهنا ذكر السّبع المثاني . ثمّ عطف عليه القرآن العظيم ، فوجب حصول المغايرة .
والجواب الصّحيح : أنّ بعض الشّيء مغاير لمجموعه ، فلم لا يكفي هذا القدر من المغايرة في حسن العطف ، واللّه أعلم .
الحكم الثّاني : أنّه لمّا كان المراد بقوله :
سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي
هو الفاتحة ، دلّ على أنّ هذه السّورة أفضل سور القرآن من وجهين : أحدهما : أنّ إفرادها بالذّكر مع كونها جزء من أجزاء القرآن ، لا بدّ وأن يكون لاختصاصها بمزيد الشّرف والفضيلة . والثّاني : أنّه تعالى لمّا أنزلها مرّتين دلّ ذلك على زيادة فضلها وشرفها .
وإذا ثبت هذا فنقول : لمّا رأينا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم واظب على قراءتها في جميع الصّلوات طول عمره ، وما أقام سورة أخرى مقامها في شيء من الصّلوات ، دلّ ذلك على أنّه يجب على المكلّف أن يقرأها في صلاته وأن لا يقيم سائر آيات القرآن مقامها ، وأن يحترز عن هذا الإبدال ، فإنّ فيه خطرا عظيما ، واللّه أعلم .
القول الثّاني : في تفسير قوله :
سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي
إنّها « السّبع الطّوال » وهذا قول ابن عمر وسعيد بن جبير في بعض الرّوايات ومجاهد ، وهي : البقرة ، وآل عمران ، والنّساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، والأنفال ،