الصّحيحة في حديث غيلان ، وكذا في الحديث الّذي أخرجه ابن أبي شيبة . والنّحّاس عن قيس بن الحرث الأسديّ أنّه قال : أسلمت وكان تحتي ثمان نسوة فأخبرت النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله فقال : « اختر منهنّ أربعا وخلّ سائرهنّ » ففعلت ، فإنّ ذلك يدلّ دلالة لا مرية فيها أنّ المقصود إبقاء أيّ أربع ، لا أربع معيّنات ، فالاحتمال الّذي ذكره الإمام قاعد لا قائم ، ولو اعتبر مثله - قادحا في الدّليل - لم يبق دليل على وجه الأرض .
نعم الحديث مشكل على ما ذهب إليه الإمام الأعظم ، على ما نقل ابن هبيرة : فيمن أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة ، من أنّه إن كان العقد وقع عليهنّ في حالة واحدة فهو باطل ، وإن كان في عقود صحّ النّكاح في الأربع الأوائل ، فإنّه حينئذ لا اختيار ، وخالفه في ذلك الأئمّة الثّلاثة ، وهو بحث آخر لسنا بصدده .
وأقوى الأمرين المعتمد عليهما في الحصر : الإجماع ، فإنّه قد وقع وانقضى عصر المجمعين قبل ظهور المخالف ، ولا يشترط في الإجماع اتّفاق كلّ الأمّة من لدن بعثته عليه الصّلاة والسّلام إلى قيام السّاعة ، كما يوهمه كلام الإمام الغزّاليّ ، وإلّا لا يوجد إجماع أصلا . وبهذا يستغنى عمّا ذكره الإمام الرّازيّ - وهو أحد المذاهب في المسألة - من أنّ مخالف هذا الإجماع من أهل البدعة فلا اعتبار بمخالفته .
فالحقّ الّذي لا محيص عنه أنّه يحرم الزّيادة على الأربع ، وبه قال الإماميّة ، ورووا عن الصّادق رضي اللّه تعالى عنه : « لا يحلّ لماء الرّجل أن يجري في أكثر من أربعة أرحام » وشاع عنهم خلاف ذلك ، ولعلّه قول شاذّ عندهم . ( 4 : 190 )
القاسميّ : [ نحو الزّمخشريّ والفخر الرّازيّ وأضاف : ]
وقال الإمام الشّوكانيّ رحمه اللّه تعالى في « وبل الغمام » : الّذي نقله إلينا أئمّة اللّغة والإعراب وصار كالمجمع عليه عندهم ، أنّ العدل في الأعداد يفيد أنّ المعدود لمّا كان متكثّرا يحتاج استيفاؤه إلى أعداد كثيرة ، كانت صيغة العدل المفردة في قوّة تلك الأعداد .
فإن كان مجيء القوم مثلا اثنين اثنين ، أو ثلاثة ثلاثة ، أو أربعة أربعة ، وكانوا ألوفا مؤلّفة ، فقلت : جاءني القوم مثنى ، أفادت هذه الصّيغة أنّهم جاءوا اثنين اثنين ، حتّى تكاملوا . فإن قلت : مثنى وثلاث ورباع ، أفاد ذلك أنّ القوم جاءوك تارة اثنين اثنين ، وتارة ثلاثة ثلاثة ، وتارة أربعة أربعة . فهذه الصّيغ بيّنت مقدار عدد دفعات المجيء لا مقدار عدد جميع القوم ، فإنّه لا يستفاد منها أصلا ، بل غاية ما يستفاد منها أنّ عددهم متكثّر تكثّرا تشقّ الإحاطة به .
ومثل هذا إذا قلت : نكحت النّساء مثنى ، فإنّ معناه نكحتهنّ اثنتين اثنتين ، وليس فيه دليل على أنّ كلّ دفعة من هذه الدّفعات لم يدخل في نكاحه إلّا بعد خروج الأولى ، كما أنّه لا دليل في قولك : جاءني القوم مثنى ، أنّه لم يصل الاثنان الآخران إليك إلّا وقد فارقك الاثنان الأوّلان .
إذا تقرّر هذا فقوله تعالى :
مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ
يستفاد منه جواز نكاح النّساء اثنتين اثنتين وثلاثا ثلاثا وأربعا أربعا ، والمراد جواز تزوّج كلّ دفعة من هذه