تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 634

مساهمون:

ص٦٣٤
الصّدر فهو خفيّ ، أي أنّهم يضمرون الكفر والتّولّي عن الحقّ وعداوة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم . ومنها : أنّه باق على حقيقته ، والمعنى أنّهم إذا رأوا النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام فعلوا ذلك وولّوه ظهورهم . والظّاهر أنّ اللّام متعلّقة ب ( يثنون ) على سائر الاحتمالات ، وكأنّ بعضهم رأى عدم صحّة التّعلّق على الاحتمال الأوّل ، لما أنّ التّولّي عن الحقّ لا يصلح تعليله بالاستخفاء لعدم السّببيّة ، فقدّر لذلك متعلّقا فعل الإرادة على أنّه حال ، أو معطوف على ما قبله ، أي ويريدون ليستخفوا من اللّه تعالى ، فلا يطّلع رسوله عليه الصّلاة والسّلام والمؤمنين على أغراضهم ، وجعله في قود المعنى إليه من قبيل الإضمار في قوله تعالى :
اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ
الشّعراء : 63 ، أي فضرب فانفلق . لكن لا يخفى أنّ انسياق الذّهن إلى توسيط الإرادة بين ثني الصّدور والاستخفاء ليس بمثابة انسياقه إلى توسيط الضّرب بين الأمر والانفلاق ، كما ذكره العلّامة القسطلانيّ وغيره . وقيل : إنّه لا حاجة إلى التّقدير في الاحتمالين الأوّلين ، لأنّ انحرافهم عن الحقّ بقلوبهم ، وعطف صدورهم على الكفر والتّولّي ، وعداوة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وعدم إظهارهم ذلك يجوز أن يكون للاستخفاء من اللّه تعالى ، لجهلهم بما لا يجوز على اللّه تعالى . وأمّا على الاحتمال الثّالث فالظّاهر أنّه لا بدّ من التّقدير ، إلّا أن يعاد الضّمير منه إلى الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو الّذي يقتضيه سبب النّزول ، على ما ذكره أبو حيّان من أنّ الآية نزلت في بعض الكفّار الّذين كانوا إذا لقيهم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم تطامنوا وثنوا صدورهم كالمستتر ، وردّوا إليه ظهورهم ، وغشّوا وجوههم بثيابهم ، تباعدا منه وكراهة للقائه عليه الصّلاة والسّلام ، وهم يظنّون أنّه يخفى عليه صلّى اللّه عليه وسلّم ، لكن ظاهر قوله تعالى الآتي :
يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ *
يقتضي عود الضّمير إليه تعالى . واختار بعض المحقّقين الاحتمال الثّاني من الاحتمالات الثّلاث ، وأمر التّعليل والضّمير عليه ظاهر . [ ثمّ ذكر أقوال المفسّرين كابن عبّاس وأبي حيّان وعبد اللّه بن شدّاد وله بحث مستوفى في القراءة فراجع ] ( 11 : 209 ) رشيد رضا : فسّر بعضهم ثني الصّدور هنا بالإعراض التّامّ ، والاستدبار للرّسول عند تلاوة القرآن ، وهو أبلغ من ثني العطف والجانب . وفسّره آخرون بطيّها على ما هو مكنون فيها من الكراهة والعداوة له صلّى اللّه عليه وسلّم . والأقرب أن يكون تصويرا لما كان يحاوله بعض الكفّار ، ثمّ المنافقين عند سماع القرآن ، من الاستخفاء بتنكيس الرّأس ، وثني الصّدر على البطن - كما يطوي الثّوب - حتّى يخفى فاعله بين الجمع ، خجلا ممّا فيه من القرع والصّداع . فالمعنى ألا إنّ هؤلاء الكافرين الكارهين لدعوة التّوحيد يحنون ظهورهم وينكسون رؤوسهم ، كأنّهم يحاولون طيّ صدورهم على بطونهم عند سماع القرآن ، وهو معنى بليغ وواقع ، وأدنى إلى التّعليل بقوله :
لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ
أي من النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم . ( 12 : 10 ) عزّة دروزة : يلوونها كما يفعل الّذي يريد أن يخفي