مبالغة لتكرار الأمر ، كما تقول : اعشو شبت الأرض واحلولت الدّنيا ، ونحو ذلك . [ ثمّ ذكر قول ابن عبّاس وقرائته ( تثنون ) وأضاف : ]
وقال أبو حاتم : هذه القراءة غلط لا تتّجه . وقرأ نصر ابن عاصم ويحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق ( ينثوي ) بتقديم النّون على الثّاء .
وقرأ عروة وابن أبي أبزيّ والأعشى ( تثنون ) بثاء مثلّثة بعدها نون مفتوحة بعدها واو مكسورة .
وقرأ أيضا هما ومجاهد فيما روي عنه ( تثنان ) بهمزة بدل الواو ، وهاتان مشتقّة من « الثّنّ » وهي العشب المثنيّ بسهولة ، فشبّه صدورهم به ، إذ هي مجيبة إلى هذا الانطواء على المكر والخدع .
وأصل ( تثنون ) : تثنوننّ ، سكّنت النّون المكسورة ونقلت حركتها إلى الواو الّتي قبلها ، وأدغمت في النّون الّتي بعدها . وأمّا ( تثنان ) فأصلها : تثنانّ ، مثل تحمارّ ثمّ قالوا : اثنانّ ، كما قالوا : احمارّ وابياضّ . ( 3 : 150 )
نحوه الطّبرسيّ ( 3 : 142 ) ، والقرطبيّ ( 9 : 5 ) .
الفخر الرّازيّ : في الآية وجهان :
الوجه الأوّل : روي أنّ طائفة من المشركين قالوا : إذا أغلقنا أبوابنا وأسلنا ستورنا ، واستغشينا ثيابنا وثنينا صدورنا على عداوة محمّد ، فكيف يعلم بنا ؟
وعلى هذا التّقدير : كان قوله :
يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ
كناية عن النّفاق ، فكأنّه قيل : يضمرون خلاف ما يظهرون ليستخفوا من اللّه تعالى ، ثمّ نبّه بقوله :
أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ
على أنّهم يستخفون منه حين يستغشون ثيابهم .
الوجه الثّاني : روي أنّ بعض الكفّار كان إذا مرّ به رسول اللّه ثنى صدره وولّى ظهره واستغشى ثيابه ، والتّقدير كأنّه قيل : إنّهم يتصرّفون عنه ليستخفوا منه حين يستغشون ثيابهم ، لئلّا يسمعوا كلام رسول اللّه وما يتلو من القرآن ، وليقولوا في أنفسهم ما يشتهون من الطّعن . ( 17 : 185 )
العكبريّ : الجمهور على فتح الياء وضمّ النّون ، وماضيه « ثنى » . ويقرأ كذلك إلّا أنّه بضمّ الياء وماضيه « أثنى » ، ولا يعرف في اللّغة ، إلّا أن يقال : معناه عرضوها للإثناء ، كما تقول : أبعت الفرس إذا عرّضته للبيع . [ ثمّ ذكر بعض الأقوال والقراءات كما سبق عن ابن عطيّة ، فراجع ] ( 2 : 689 )
البيضاويّ : يثنونها عن الحقّ وينحرفون عنه ، أو يعطفونها على الكفر وعداوة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو يولّون ظهورهم .
وقرئ ( تثنوني ) بالياء والتّاء من « أثنوني » وهو بناء المبالغة ، و ( تثنون ) وأصله : يثنوننّ ، من « الثّنّ » وهو الكلأ الضّعيف ، أراد به : ضعف قلوبهم أو مطاوعة صدورهم للثّنيّ ، و ( يثنئنّ ) من اثنأنّ كابيأضّ بالهمزة .
( 1 : 461 )
أبو حيّان : ( يثنون ) مضارع « ثنى » قراءة الجمهور ، وقرأ سعيد بن جبير ( يثنون ) بضمّ الياء مضارع « أثنى » ( صدورهم ) بالنّصب .
قال صاحب « اللّوامح » : ولا يعرف الإثناء في هذا الباب إلّا أن يراد به وجدتها مثنيّة مثل أحمدته وأمجدته ، ولعلّه فتح النّون ، وهذا ممّا فعل بهم ، فيكون نصب