البروسويّ :
مِنَ الثَّمَراتِ
هي هاهنا المأكولات كلّها من الحبوب والفواكه وغيرها ، ممّا يخرج من الأرض والشّجر ، كما في « التّيسير » . ( 1 : 75 )
وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ . . .
تحقيقه أنّ الماء هو القرآن ، وثمراته : الهدى والتّقى والنّور والرّحمة والشّفاء ، والبركة واليمن والسّعادة والقربة والحقّ اليقين ، والنّجاة والرّفعة والصّلاح والفلاح والحكمة والحلم ، والعلم والآداب والأخلاق والعزّة والغنى ، والتّمسّك بالعروة الوثقى والاعتصام بحبل اللّه المتين ، وجماع كلّ خير وختام كلّ سعادة ، وزهوق باطل الوجود الإنسانيّ عند مجيء تجلّيات حقيقة الصّفات الرّبّانيّة ، كقوله تعالى :
وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً
الإسراء : 81 .
فأخرج بماء القرآن هذه الثّمرات من أرض قلوب عباده ، فكما أنّ اللّه تعالى منّ على عباده بإخراج الثّمرات رزقا لكم ، وكان للحيوانات فيها رزق ، ولكن بتبعيّة الإنسان ، وهذا ممّا لا تدركه العقول المشوبة بالوهم والخيال بل تدركه العقول المؤيّدة بتأييد الفضل والنّوال .
( 1 : 78 )
الآلوسيّ : ( من ) الثّانية إمّا للتّبعيض ؛ إذ كم من ثمرة لم تخرج بعد ، ف ( رزقا ) حينئذ بالمعنى المصدريّ مفعول له ل ( اخرج ) ، و ( لكم ) ظرف لغو مفعول به ل « رزق » أي أخرج شيئا من الثّمرات ، أي بعضها ، لأجل أنّه رزقكم .
وجوّز أن يكون ( بعض الثّمرات ) مفعول ( اخرج ) ، و ( رزقا ) بمعنى مرزوقا حالا من المفعول ، أو نصبا على المصدر ل ( اخرج ) .
وإمّا للتّبيين ، فرزق بمعنى مرزوق مفعول ل ( اخرج ) ، و ( لكم ) صفته ، وقد كان ( من الثّمرات ) صفته أيضا إلّا أنّه لمّا قدّم صار حالا على القاعدة في أمثاله ، وفي تقديم البيان على المبيّن خلاف ، فجوّزه الزّمخشريّ والكثيرون ، ومنعه صاحب « الدّرّ المصون » وغيره .
واحتمال جعلها ابتدائيّة - بتقدير : من ذكر الثّمرات أو تفسير الثّمرات بالبذر - تعسّف لا ثمرة فيه .
و ( أل ) في ( الثّمرات ) إمّا للجنس أو للاستغراق وجعلها له ، و ( من ) زائدة ، ليس بشيء ، لأنّ زيادة ( من ) في الإيجاب ، وقيل : معرفة ، ممّا لم يقل به إلّا الأخفش ، ويلزم من ذلك أيضا أن يكون جميع الثّمرات الّتي أخرجت رزقا لنا ، وكم شجرة أثمرت ما لا يمكن أن يكون رزقا .
وأتى بجمع القلّة مع أنّ الموضع موضع الكثرة ، فكان المناسب لذلك ( من الثّمار ) للإيماء إلى أنّ ما برز في رياض الوجود بفيض مياه الجود كالقليل بل أقلّ قليل بالنّسبة لثمار الجنّة ، ولما ادّخر في ممالك الغيب .
أو للإشارة إلى أنّ أجناسها ، من حيث إنّ بعضها يؤكل كلّه ، وبعضها ظاهره فقط ، وبعضها باطنه فقط ، المشير ذلك إلى ما يشير قليلة لم تبلغ حدّ الكثرة
وما ذكر الإمام البيضاويّ وغيره من أنّه ساغ هذا الجمع هنا ، لأنّه أراد ب ( الثّمرات ) جمع ثمرة ، أريد بها الكثرة ، كالثّمار ، مثلها في قولك : أدركت ثمرة بستانك ، وليست التّاء للوحدة الحقيقيّة بل للوحدة الاعتباريّة ، ويؤيّده قراءة ابن السّميقع ( من الثّمرة ) .