وكون ( من ) للبيان ، ليس مذهب المحقّقين من أهل العربيّة بل تأوّلوا ما استدلّ به من أثبت ذلك . ولو فرضنا مجيء ( من ) للبيان لما صحّ تقديرها للبيان هنا ، لأنّ القائلين بأنّ ( من ) للبيان قدّروها بمضمر ، وجعلوه صدرا لموصول صفة إن كان قبلها معرفة ، نحو
فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ
الحجّ : 30 ، أي الرّجس الّذي هو الأوثان . وإن كان قبلها نكرة فهو يعود على تلك النّكرة ، نحو : من يضرب من رجل ، أي هو رجل .
و ( من ) هذه ليس قبلها ما يصلح أن يكون بيانا له لا نكرة ولا معرفة ، إلّا أن كان يتمحّل لذلك أنّها بيان لما بعدها ، وأنّ التّقدير : « كلّما رزقوا منها رزقا من ثمرة » فتكون ( من ) مبيّنة ل ( رزقا ) أي رزقا هو ثمرة ، فيكون في الكلام تقديم وتأخير ، فهذا ينبغي أن ينزّه كتاب اللّه عن مثله .
وأمّا : « رأيت منك أسدا » ف « من » لابتداء الغاية أو للغاية ابتداء وانتهاء ، نحو أخذته منك . ولا يراد ب ( ثمرة ) :
الشّخص الواحد من التّفّاح أو الرّمّان أو غير ذلك ، بل المراد - واللّه أعلم - النّوع من أنواع الثّمار ، قال الزّمخشريّ : « وعلى هذا ، أي على تقدير أن تكون ( من ) بيانا ، يصحّ أن يراد بالثّمرة : النّوع من الثّمار ، والجنّات : الواحدة » .
وقد اخترنا أنّ ( من ) لا تكون بيانا ، فلا نختار ما ابتنى عليه ، مع أنّ قوله : « والجنّات : الواحدة » مشكل يحتاج فهمه إلى تأمّل . ( 1 : 114 )
البروسويّ : ليس المراد بالثّمرة : التّفّاحة الواحدة أو الرّمّانة الفذّة ، وإنّما المراد : نوع من أنواع الثّمار .
و ( من ) الأولى والثّانية كلتاهما لابتداء الغاية ، لأنّ الرّزق قد ابتدىء من الجنّات ، والرّزق من الجنّات قد ابتدىء من ثمرة . ( 1 : 83 )
الآلوسيّ : جمع سبحانه بين ( منها ) و ( من ثمرة ) ، ولم يقل : ( من ثمرها ) بدل ذلك ، لأنّ تعلّق ( منها ) يفيد أنّ سكّانها لا تحتاج لغيرها ، لأنّ فيها كلّ ما تشتهي الأنفس .
وتعلّق ( من ثمرة ) يفيد أنّ المراد بيان المأكول ، على وجه يشمل جميع الثّمرات ، دون بقيّة اللّذّات المعلومة من السّابق واللّاحق ، وهذا إشارة إلى نوع ما رزقوا ، ويكفي إحساس أفراده ، وهذا كقولك مشيرا إلى نهر جار : « هذا الماء لا ينقطع » أو إلى شخصه . ( 1 : 203 )
ثمرات
1 -
وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً . . .
النّحل : 67
الزّمخشريّ : إن قلت : بم تعلّق قوله :
وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ ؟
قلت : بمحذوف تقديره : ونسقيكم من ثمرات النّخيل والأعناب ؛ أي من عصيرها ، وحذف لدلالة ( نسقيكم ) قبله عليه . ( 2 : 416 )
مثله الفخر الرّازيّ . ( 20 : 68 )
ابن عطيّة : يجوز أن يكون قوله :
وَمِنْ ثَمَراتِ
عطفا على ( الانعام ) النّحل : 66 ، أي ولكم من ثمرات النّخيل والأنعام عبرة ويجوز أن يكون عطفا على ( ممّا ) النّحل : 66 ، أي ونسقيكم أيضا مشروبات من ثمرات .
( 3 : 405 )