ثمرنا ، لضمير العظمة على قياس ما تقدّم ، إلّا أنّه التفت من التّكلّم إلى الغيبة ، لأنّ الأكل والتّعيّش ممّا يشغل عن اللّه تعالى ، فيناسب الغيبة ؛ فالالتفات في موقعه .
وزعم بعضهم أنّ هذا ليس من مظانّه ، لأنّه أولى بضمير الواحد المطاع ، لأنّه المقصود بالإحياء والجعل والتّفجير ، وقد أسندت إليه .
وردّ بأنّ ما سبق أفخم ، لأنّها أفعال عامّة النّفع ، ظاهرة في كمال القدرة ؛ والثّمر أحطّ مرتبة من الحبّ ، ولذا لم يورد على سبيل الاختصاص ، فلا يستحقّ ذلك التّفخيم ، كيف وقد جعل بعضهم الثّمر خلق اللّه تعالى وكماله بفعل الآدميّ ، وبما تقدّم يستغنى عمّا ذكر .
( 23 : 7 )
الطّباطبائيّ :
مِنْ ثَمَرِهِ
قيل : الضّمير للمجعول من ( الجنّات ) ولذا أفرد وذكّر ولم يقل : من ثمرها ، أي من ثمر الجنّات ، أو من ثمرهما ، أي من ثمر النّخيل والأعناب .
وقيل : الضّمير للمذكور ، وقد يجري الضّمير مجرى اسم الإشارة . [ إلى أن قال : ]
وفي مرجع ضمير
مِنْ ثَمَرِهِ
أقوال أخر رديئة ، كقول بعضهم : إنّ الضّمير للنّخيل فقط . وقول آخر : إنّه للماء لدلالة العيون عليه ، أو بحذف مضاف والتّقدير : ماء العيون . وقول آخر : إنّ الضّمير للتّفجير المفهوم من ( فجّرنا ) ، والمراد بالثّمر على هذين الوجهين : الفائدة .
وقول آخر : إنّ الضّمير له تعالى ، وإضافته إليه ، لأنّه خلقه وملكه . ( 17 : 86 )
عبد الكريم الخطيب : والضّمير في ( ثمره ) يعود إلى النّخيل ، لأنّه المقدّم رتبة على العنب ، وهو أكثر أنواعا وألوانا منه ، فلا يعدو أن يكون العنب لونا من ألوان الثّمر . ( 12 : 930 )
مكارم الشّيرازيّ : نعم ، ثمار على شكل غذاء كامل ، تظهر على أغصان أشجارها ، قابل للأكل بمجرّد جنيها من أغصانها ، ولا تحتاج إلى طبخ أو أيّة تغييرات أخرى ؛ ذلك إشارة إلى غاية لطف اللّه بهذا الإنسان وكرمه .
حتّى أنّ ذلك الطّعام الجاهز اللّذيذ يمكن تجميعه وتعليبه ، لكي يحفظ لمدّة طويلة ، بدون أن ينقص من قيمته الغذائيّة شيء ، على خلاف الأغذية الّتي يصنعها الإنسان من الموادّ الطّبيعيّة الّتي أعطاها اللّه له ، فهي غالبا ما تكون سريعة التّلف والفساد .
ويوجد تفسير آخر أيضا لمعنى الآية ، وهو جدير بالنّظر : وذلك أنّ القرآن الكريم يريد الإشارة إلى الفواكه الّتي يمكن الاستفادة منها ، دون إدخال تغيير عليها ، وكذلك إلى أنواع الأغذية المختلفة الّتي يمكن الحصول عليها من تلك الفواكه ، بالقيام ببعض الأمور .
في التّفسير الأوّل تكون ( ما ) في الجملة نافية ، بينما في التّفسير الثّاني تكون موصولة .
وعلى كلّ حال ، فالهدف هو تحريك حسّ تشخيص الحقّ ، والشّكر في الإنسان ، لكي يضعوا أقدامهم على أوّل طريق معرفة اللّه عن طريق الشّكر ، لأنّ شكر المنعم أوّل قدم في طريق معرفته . ( 14 : 164 )