لدينه وإهانة لشخصه ، كما أشاعوا أحدوثة ادّعائه أنّه ملك بني إسرائيل الموعود ، ليستثيروا الرّوم عليه ، وقد تحقّقت بذلك أمنيّتهم .
14 - وكلّ ذلك إبطال لمزاعم النّصارى في عيسى ، والّذي أثبته القرآن في ( 5 ) :
وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ . . . ،
وهي ثلاثة أوصاف لعيسى :
الأوّل : أنّه رسول اللّه ، وقد كرّر في ( 7 ) :
مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ،
وفي ( 10 ) :
إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ ،
وفي قوله :
وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ
آل عمران :
49 .
والّذي يلفت النّظر أنّ القرآن أبان فيها أنّ عيسى رسول إلى بني إسرائيل خاصّة ، وليس إلى النّاس عامّة كما تدّعيه النّصارى ، وهذا يحتاج إلى دراسة جديدة .
كما أبان أنّ اللّه جعله مثلا لبني إسرائيل ، قال الطّبرسيّ ( 9 : 53 ) : « أي آية لهم ودلالة يعرفون به قدرة اللّه تعالى على ما يريد ، حيث خلقه من غير أب ، فهو مثل لهم يشبّهوا به ما يرون من أعاجيب صنع اللّه » . وقال الطّباطبائيّ ( 18 : 117 ) : « آية عجيبة إلهيّة يسير ذكره كالأمثال السّائرة » . ويبدو منها أنّ اللّه أزال به شبهة النّصارى في المسيح النّاشئة من ولادته من غير أب ببيان أنّه آية من آيات اللّه كسائر آياته .
الثّاني : أنّه كلمة اللّه ألقاها إلى مريم ، وأطلقت « الكلمة » عليه أيضا في آل عمران : 39 ، خطابا لزكريّا :
أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ
قال الطّبرسيّ ( 2 : 438 ) : « أي مصدّقا بعيسى ، وعليه جميع المفسّرين وأهل التّأويل ، إلّا ما حكي عن أبي عبيدة أنّه قال : بكتاب اللّه . . . » . وفي ( 45 ) أيضا خطابا لمريم :
إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ،
وظاهرها أنّ عيسى هو كلمة اللّه ألقاها إلى مريم ، وليس المراد أنّه بشارة اللّه بعيسى كما قيل . وقد ذكر رشيد رضا ( 3 : 304 ) في سرّ إطلاق الكلمة عليه وجوها أربعة ، أوّلها : « أنّه خلق بكلمة اللّه « كن » من دون أب » . وذكر في ( 6 : 82 ) وجه التّعبير ب « ألقاها » ، كما ذكر الفخر الرّازيّ ( 8 : 38 ) خمسة وجوه ، واختار الطّباطبائيّ ( 5 : 175 ) أنّه كلمة « كن » الّتي ألقيت إلى مريم البتول ، وبحث عنها تفصيلا في ( 9 : 193 ) ، فلاحظ .
وقد جاء في أوّل إنجيل يوحنّا : « في البدو كان الكلمة ، والكلمة كان عند اللّه ، وكان الكلمة اللّه . .
والكلمة صار جسدا ، وحلّ بيننا ، ورأينا مجده . . . » .
وهذا هو مبدأ عقيدة النّصارى بأنّ عيسى هو اللّه ، وأنّه كلمة اللّه . والقرآن يصدّق بأنّه كلمة اللّه ، وينكر أنّه اللّه أو ابن اللّه . وعند النّصارى بحث طويل في فلسفة اللّاهوت حول « الكلمة » ، لاحظ « الكلمة » من ( ك ل م ) .
الثّالث : أنّه روح من اللّه ، وذكر في المنار ( 6 : 82 ) فيه وجهين : أحدهما : أنّه مؤيّد بروح القدس ، كما قال :
وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ
البقرة : 87 . وثانيهما : أنّه خلق بنفخ من روح اللّه ، وهو جبرئيل ، كما قال :