تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 510

مساهمون:

ص٥١٠
ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ . . .
فنفى ألوهيّته باعترافه هو في السّورتين بأنّه عبد اللّه ، وأنّ هذا - أي توحيد اللّه بالألوهيّة - هو الصّراط المستقيم . ثمّ نبّه في الزّخرف على أنّ المشركين لم يذكروا ألوهيّة عيسى إلّا جدلا ، لأنّهم لم يعترفوا به ولا برسالته ، وأنكروها كما أنكروا رسالة غيره من الأنبياء عليهم السّلام . 2 - لمّا كانت شبهة ألوهيّة عيسى نشأت من ولادته بشكل غير معتاد وبلا أب ، أصرّ القرآن على شرحها مرّات ، أوّلها في سورة مريم المكّيّة ( 2 ) إلى ( 33 ) ، حيث بدأها بدعاء زكريّا ربّه ليهبه ولدا ، رغم شيخوخته وهرمه ودقّة عظمه ، ناهيك من عقم امرأته : فوهبه اللّه يحيى خرقا لنواميس الطّبيعة ، ليكون شاهدا على ولادة عيسى كذلك . ثمّ أتلاها قصّة مريم ، إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيّا ، فتمثّل لها روح اللّه بشرا سويّا . . . فحملته مريم ، ثمّ قال :
ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ
فدفع اللّه بذلك شبهة النّصارى في عيسى ، دحضا لجدل المشركين المشار إليه في سورة الزّخرف المكّيّة . وقد كرّرها في آل عمران ( 35 ) إلى ( 47 ) المدنيّة ، إبطالا لتلك الشّبهة عند النّصارى أنفسهم ، فبدأها بقصّة امرأة عمران وإيلادها مريم ، وأنّ زكريّا كفّلها ، ثمّ رأى منها الأعاجيب . ولم يكن له ولد ، فسأل اللّه الذّريّة الطّيّبة :
هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ . . .
آل عمران : 38 . - وقد بسطنا القول في سرّ تأكيد القرآن للتّعبير ب « عيسى بن مريم » ، دفعا لشبهة ألوهيّته ، لاحظ « ابن » من ( ب ن و ) - وقد أيّدها بقوله في ( 1 ) :
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ،
أي في الولادة الخارقة للعادة ، وقد سبق فيها آدم عيسى ، ولم يكن إلها . وفي ( 6 ) :
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ . . . ،
أي : ها أنتم تعترفون بأنّ عيسى هو ابن مريم ، فكيف تقولون : إنّه ابن اللّه ؟ ! 3 - أبطل اللّه تلك الشّبهة في ( 7 ) مستدلّا بأنّ عيسى وأمّه كانا بشرين يأكلان الطّعام :
مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ،
أي إذا كانا يأكلان الطّعام ، فهما كسائر أفراد البشر تغذية وتخلية ، فكيف يكونان إلهين ؟ 4 - وبأنّ عيسى وأمّه لا يملكان للنّاس ضرّا ولا نفعا ، فكيف يكونان إلهين يعبدونهما ؟ قال في ( 7 ) :
قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ،
أي أنّ اللّه هو المختصّ بوصف « السّميع العليم » ، وهو الّذي يضرّ وينفع ، فهو الإله دون المسيح وأمّه . 5 - وفي ( 6 ) بأنّ اللّه إذا أراد أن يهلك المسيح وأمّه فلا يمنعه شيء من ذلك :
قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ . . . ،
أي إذا كانا إلهين فكيف يهلكان ؟ ثمّ إذا هلكا فمن يملك السّماوات والأرض ، فاللّه الّذي ملكهما هو الّذي يهلكهما ، فهو الإله دونهما . 6 - وفي ( 5 ) بأنّ اللّه غنيّ عن الولد ، ولا يتّخذ لنفسه