أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ
و ( 6 ) :
قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ
فهل كانت هذه عقيدة بعضهم بإزاء التّثليث ؟ أو أنّها ليست سوى رفض ألوهيّة عيسى وأمّه ، وكانوا يعبدونهما مع اللّه ؟ الظّاهر أنّها كانت عقيدة - سوى التّثليث - عند الفرقة « المريميّة » ، فيؤيّد اعتقاد بعض النّصارى بذلك حينذاك .
وقد طرح الطّبرسيّ ( 6 : 268 ) في ذلك سؤالا : هل اتّخذ أحد من النّصارى مريم إلها ؟ وأجاب عنه بوجوه ، منها : أنّها إشارة إلى الفرقة « المريميّة » الّتي حكاها عن الشّيخ الطّوسيّ . ومنها : أنّهم حين اعتقدوا في المسيح أنّه إله لزمه القول بألوهيّة مريم ، لأنّ الولد من جنس الوالدة . ومنها : أنّهم لمّا عظمّوهما تعظيم الآلهة أطلق اسم الآلهة عليهما .
وقد بسط صاحب المنار ( 7 : 262 ) الكلام في ذلك بقوله : « أمّا أمّ عيسى فعبادتها كانت متّفقا عليها في الكنائس الشّرقيّة والغربيّة بعد « قسطنطين » ، ثمّ أنكرت عبادتها فرقة « البروتستانت » الّتي حدثت بعد الإسلام بعدّة قرون » . ثمّ بيّن أنّ عبادتها كانت عبارة عن صلاة ودعاء واستغاثة واستشفاع وصيام ونحوها ، إلى أن قال : « ولكن لا تعرف عن فرقة من فرقهم إطلاق كلمة « إله » عليها ، بل يسمّونها « والدة الإله » . ويصرّح بعض فرقهم بأنّ ذلك حقيقة لا مجاز ، والقرآن يقول هنا : إنّهم اتّخذوها وابنها إلهين ، والاتّخاذ غير التّسمية ، فهو يصدق بالعبادة ، وهي واقعة قطعا . . . » ، ثمّ ذكر نصوصا في عبادة النّصارى لمريم ، فلاحظ .
13 - كشف القرآن عن أمرين هامّين في شأن اعتقاد النّصارى للتّثليث وغلوّهم في عيسى :
أحدهما : أنّهم أخذوه ممّن سبقهم من الأمم الضّالّة ( 7 ) :
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ
وقد نبّه صاحب « المنار » فيما تقدّم من كلامه على وجود التّثليث بين كثير من الأمم السّابقة ، ومنهم الرّوم ، فتأثّرت النّصارى بهم .
ثانيهما : وجود الاختلاف البارز بين النّصارى في شأن عيسى وفي تفسير التّثليث ، وهذا مشهود في تاريخهم بين طوائفهم إلى عهدنا ( 9 ) :
ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ *
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ ،
و ( 10 ) :
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ ،
والتّعبير عن طوائفهم الّذين اختلفوا ب « الأحزاب » مرّتين ، إيماء إلى عمق الاختلاف والتّنازع بينهم فيما اعتقدوه ، وأنّ كلّ حزب بما لديهم فرحون ، لاحظ ( الأحزاب ) من « ح ز ب » .
وهل هذا الخلاف حدث بينهم بعد عيسى - كما يومئ إليه ( 8 ) :
وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ؟
وقد تقدّم عن صاحب « المنار » وغيره أنّ التّثليث لا أثر له في الأناجيل ، وتقدّم عن بعضهم أنّ اختلافهم في تفسيره ظهر بعد أن جمع « قسطنطين » جميع طوائفهم في بلاطه - أو حدث في حياته كما نصّ عليه إنجيل « برنابا » ، ففيه نصوص كثيرة تحكي أنّ قسطا كبيرا من رسالته جاء في رفض هذا الضّلال المبين الّذي نشأ من قبل خصومة اليهود ، إفسادا