تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 494

مساهمون:

ص٤٩٤
الموصول وصلته مكانه ليدلّ على أنّ ذلك القول كفر باللّه ، وأنّ الكفر سبب العذاب الّذي توعّدهم به . وهذا وجه لا بأس به لولا أنّ الآية مصدّرة بقوله :
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ ،
ونظيره في البعد قول بعض آخر : إنّ ( من ) في قوله : ( منهم ) بيانيّة ، فإنّه قول من غير دليل . قوله تعالى :
أَ فَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
المائدة : 74 ، تحضيض على التّوبة والاستغفار ، وتذكير بمغفرة اللّه ورحمته ، أو إنكار أو توبيخ . قوله تعالى :
مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ
المائدة : 75 ، ردّ لقولهم :
إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ
أو لقولهم هذا وقولهم المحكيّ في الآية السّابقة :
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ
جميعا ، ومحصّله اشتمال المسيح على جوهرة الألوهيّة ، بأنّ المسيح لا يفارق سائر رسل اللّه الّذين توفّاهم اللّه من قبله ، كانوا بشرا مرسلين من غير أن يكونوا أربابا من دون اللّه سبحانه ، وكذلك أمّه مريم كانت صدّيقة تصدق بآيات اللّه تعالى وهي بشر . وقد كان هو وأمّه جميعا يأكلان الطّعام ، وأكل الطّعام مع ما يتعقّبه مبنيّ على أساس الحاجة الّتي هو أوّل أمارة من أمارات الإمكان والمصنوعيّة ، فقد كان المسيح عليه السّلام ممكنا متولّدا من ممكن ، وعبدا ورسولا مخلوقا من أمّه ، كانا يعبدان اللّه ، ويجريان في سبيل الحاجة والافتقار ، من دون أن يكون ربّا . وما بيد القوم من كتب الإنجيل معترفة بذلك تصرّح بكون مريم فتاة كانت تؤمن باللّه وتعبده ، وتصرّح بأنّ عيسى تولّد منها كالإنسان من الإنسان ، وتصرّح بأنّ عيسى كان رسولا من اللّه إلى النّاس كسائر الرّسل ، وتصرّح بأنّ عيسى وأمّه مريم كانا يأكلان الطّعام . فهذه أمور صرّحت بها الأناجيل ، وهي حجج على كونه عليه السّلام عبدا رسولا . ويمكن أن تكون الآية مسوقة لنفي ألوهيّة المسيح وأمّه كليهما ، على ما يظهر من قوله تعالى :
أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ
المائدة : 116 ، أنّه كان هناك من يقول بألوهيّتها كالمسيح ، أو أنّ المراد به اتّخاذها إلها ، كما ينسب إلى أهل الكتاب أنّهم اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون اللّه ، وذلك بالخضوع لها ولهم ، بما لا يخضع لبشر بمثله . وكيف كان فالآية على هذا التّقدير تنفي عن المسيح وأمّه معا الألوهيّة ، بأنّ المسيح كان رسولا كسائر الرّسل ، وأمّه كانت صدّيقة ، وهما معا كانا يأكلان الطّعام ، وذلك كلّه ينافي الألوهيّة . ( 6 : 70 ) مكارم الشّيرازيّ : سبق أن أشرنا إلى أنّ تاريخ المسيحيّة يقول : لم يكن التّثليث معروفا في القرون الأولى من المسيحيّة ، ولا حتّى على عهد المسيح عليه السّلام ، بل إنّ الأناجيل الموجودة - على الرّغم من كلّ ما فيها من تحريفات وإضافات - ليس فيها أدنى إشارة إلى التّثليث ، وهذا ما يعترف به المحقّقون المسيحيّون أنفسهم ، وعليه فإنّ ما ورد في الآية المذكورة عن إصرار المسيح عليه السّلام على مسألة التّوحيد إنّما ينسجم مع المصادر المسيحيّة الموجودة ، ويعتبر من دلائل عظمة القرآن .
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 494 | مجمع البحوث الاسلامية