ولا عين الضّوء . فإذا لا يصحّ أن يكون الابن وروح القدس عين الأب ! ! وقد أورد صاحب « إظهار الحقّ » الحكاية الآتية ، في بيان تخبّطهم في هذه المسألة ، قال :
« نقل أنّه تنصّر ثلاثة أشخاص وعلّمهم بعض القسّيسين العقائد الضّروريّة سيّما عقيدة التّثليث .
وكانوا في خدمته ، فجاء محبّ من أحبّاء هذا القسّيس وسأله عمّن تنصّر ، فقال : ثلاثة أشخاص تنصّروا ، فسأل هذا المحبّ : هل تعلّموا شيئا من العقائد الضّروريّة ؟ فقال : نعم ، وطلب واحدا منهم ليري محبّه ، فسأله عن عقيدة التّثليث ، فقال : إنّك علّمتني أنّ الآلهة ثلاثة ، أحدهم الّذي هو في السّماء ، والثّاني الّذي تولّد من بطن مريم العذراء ، والثّالث الّذي نزل في صورة الحمامة على الإله الثّاني بعد ما صار ابن ثلاثين سنة . فغضب القسّيس وطرده ، وقال : هذا مجهول ، ثمّ طلب الآخر منهم وسأله ، فقال : إنّك علّمتني أنّ الآلهة كانوا ثلاثة وصلب واحد منهم فالباقي إلهان . فغضب عليه القسّيس أيضا وطرده ، ثمّ طلب الثّالث وكان ذكيّا بالنّسبة إلى الأوّلين وحريصا في حفظ العقائد فسأله ، فقال :
يا مولاي حفظت ما علّمتني حفظا جيّدا ، وفهمت فهما كاملا ، بفضل السّيّد المسيح : أنّ الواحد ثلاثة والثّلاثة واحد ، وصلب واحد منهم ومات ، فمات الكلّ لأجل الاتّحاد ، ولا إله الآن ، وإلّا يلزم نفي الاتّحاد .
أقول : لا تقصير للمسؤولين ، فإنّ هذه العقيدة يخبط فيها الجهلاء هكذا ، ويتحيّر علماؤهم ، ويعترفون بأنّا نعتقد ولا نفهم ، ويعجزون عن تصويرها وبيانها .
( 6 : 483 )
المراغيّ : أي أقسم إنّ هؤلاء الّذين ادّعوا أنّ اللّه هو المسيح بن مريم ، قد كفروا وضلّوا ضلالا بعيدا ، إذ هم في إطرائه ومدحه غلوا أشدّ من غلوّ اليهود في الكفر به وتحقيره ، وقولهم عليه وعلى أمّه الصّدّيقة بهتانا عظيما . وقد صارت هذه المقالة هي العقيدة الشّائعة عندهم ، ومن عدل عنها عدّ مارقا من الدّين . فقالوا : إنّ الإله مركّب من ثلاثة أصول يسمّونها : الأقانيم الثّلاثة ، وهي الأب والابن وروح القدس . فالمسيح هو الابن ، واللّه هو الأب . وقد حلّ الأب في الابن واتّحد به ، فكوّن روح القدس ، وكلّ واحد من هذه الثّلاثة عين الآخرين .
وخلاصة ذلك : اللّه هو المسيح والمسيح هو اللّه ، كما يزعمون .
ثمّ ذكر أنّ المسيح يكذّبكم في ذلك ، فحكى عنه :
وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ
المائدة : 72 ، أي والحال أنّ المسيح قال لهم ضدّ ما يقولون ، فقد أمرهم بعبادة اللّه وحده ، معترفا بأنّه ربّه وربّهم ، ودعا بني إسرائيل الّذين أرسل إليهم إلى عبادة اللّه وحده ، ولا يزال هذا الأمر محفوظا في الأناجيل الّتي كتبت لبيان بعض سيرته ، ففي إنجيل يوحنّا : « وهذه هي الحياة الأبديّة أن يعرفوك أنت الإله الحقيقيّ ، وحدك ويسوع المسيح الّذي أرسلته » فدين المسيح مبنيّ على التّوحيد المحض ، وهو دين اللّه الّذي أرسل به جميع رسله .
وفي هذه المقالة تنبيه إلى ما هو الحجّة القاطعة على فساد قول النّصارى ، لأنّه عليه السّلام لم يفرّق بين نفسه وغيره في أنّ دلائل الحدوث ظاهرة على الجميع .