تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 493

مساهمون:

ص٤٩٣
والرّوح إله ، وهو ثلاثة ، وهو واحد يضاهئون بذلك ، نظير قولنا : إنّ زيد بن عمرو إنسان ، فهناك أمور ثلاثة هي : زيد وابن عمرو والإنسان ، وهناك أمر واحد وهو المنعوت بهذه النّعوت ، وقد غفلوا عن أنّ هذه الكثرة إن كانت حقيقيّة غير اعتباريّة أوجبت الكثرة في المنعوت حقيقة ، وأنّ المنعوت إن كان واحدا حقيقة أوجب ذلك أن تكون الكثرة اعتباريّة غير حقيقيّة ، فالجمع بين هذه الكثرة العدديّة والوحدة العدديّة في زيد المنعوت بحسب الحقيقة ، ممّا يستنكف العقل عن تعقّله . ولذا ربّما ذكر بعض الدّعاة من النّصارى أنّ مسألة التّثليث من المسائل المأثورة ، من مذاهب الأسلاف الّتي لا تقبل الحلّ بحسب الموازين العلميّة ، ولم يتنبّه أنّ عليه أن يطالب الدّليل على كلّ دعوى يقرع سمعه ، سواء كان من دعاوي الأسلاف أو من دعاوي الأخلاف . [ إلى أن قال : ] ولمّا كان القول بالتّثليث الّذي تتضمّنه كلمة
إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ
ليس في وسع عقول عامّة النّاس أن تتعقّله ، فأغلب النّصارى يتلقّونه قولا مذهبيّا مسلّما بلفظه ، من غير أن يعقلوا معناه ، ولا أن يطمعوا في تعقّله ، كما ليس في وسع العقل السّليم أن يعقله عقلا صحيحا ، وإنّما يتعقّل كتعقّل الفروض المحالة كالإنسان اللّاإنسان « 1 » ، والعدد الّذي ليس بواحد ولا كثير ولا زوج ولا فرد ، فلذلك تتسلّمه العامّة تسلّما من غير بحث عن معناه ، وإنّما يعتقدون في البنوّة والأبوّة شبه معنى التّشريف ، فهؤلاء في الحقيقة ليسوا من أهل التّثليث ، وإنّما يمضغون الكلمة مضغا ، وينتمون إليها انتماء ، بخلاف غير العامّة منهم ، وهم الّذين ينسب اللّه سبحانه إليهم اختلاف المذاهب ، ويقرّر أنّ ذلك ببغيهم ، كما قال تعالى :
أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ
- إلى أن قال -
وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ
الشّورى : 13 ، 14 . فالكفر الحقيقيّ الّذي لا ينتهي إلى استضعاف - وهو الّذي فيه إنكار التّوحيد والتّكذيب بآيات اللّه - إنّما يتمّ في بعضهم دون كلّهم ، وإنّما أوعد اللّه بالنّار الخالدة الّذين كفروا وكذّبوا بآيات اللّه ، قال :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
البقرة : 39 ، إلى غير ذلك من الآيات . . . ولعلّ هذا هو السّرّ في التّبعيض الظّاهر ، من قوله :
لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ
أو أنّ المراد به الإشارة إلى أنّ من النّصارى من لا يقول بالتّثليث ، ولا يعتقد في المسيح إلّا أنّه عبد اللّه ورسوله ، كما كانت على ذلك مسيحيّوا الحبشة وغيرها ، على ما ضبطه التّاريخ ، فالمعنى : لئن لم ينته النّصارى عمّا يقولون - نسبة قول بعض الجماعة إلى جميعهم - ليمسّنّ الّذين كفروا منهم - وهم القائلون بالتّثليث منهم - عذاب أليم . وربّما وجّهوا الكلام ، أعني قوله :
لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ
بأنّه من قبيل وضع الظّاهر موضع المضمر ، والأصل : ليمسّنّهم ، انتهى . وإنّما عدل إلى وضع
هامش
( 1 ) الصّحيح : « كالإنسان الّذي هو ليس بإنسان » لأنّ ( أل ) التّعريف لا تدخل على حرف ( لا ) النّافية ، وغيرها من الحروف .
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 493 | مجمع البحوث الاسلامية