وبعد أن أمرهم عليه السّلام بالتّوحيد الخالص ، أتبعه بالتّحذير من الشّرك والوعيد عليه ، فقال :
إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ
المائدة : 72 ، أي إنّ كلّ من يشرك باللّه شيئا من ملك أو بشر أو كوكب أو حجر أو نحو ذلك ، فيجعله ندّا له أو متّحدا به ، أو يدعوه لجلب نفع أو دفع ضرر ، أو يزعم أنّه يقرّ به إليه زلفى فيتّخذه شفيعا ليؤثّر في إرادته تعالى وعلمه ، ويحمله على شيء غير ما سبق به علمه وخصّصته إرادته في الأزل ، من يفعل ذلك فإنّ اللّه قد حرّم عليه الجنّة في سابق علمه ، وبمقتضى شرعه الّذي أوحاه إلى جميع رسله ، فلا مأوى له إلّا النّار الّتي هي دار العذاب والذّلّ والهوان ، وما للظّالمين لأنفسهم بشركهم باللّه من نصير ينصرهم ولا شفيع ينقذهم ممّا يحلّ بهم
مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ
البقرة : 255 .
وفي هذا إيماء إلى أنّ النّصارى كانوا يتكلّمون على كثير من القدّيسين ؛ إذ كانت وثنيّة الشّفاعة قد فشت فيهم وإن لم تكن من أصل دينهم .
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ
المائدة :
73 ، أي لقد كفر الّذين قالوا : إنّ اللّه خالق السّماوات والأرض وما بينهما ، ثالث أقانيم ثلاثة : أب والد غير مولود ، وابن مولود غير والد ، وزوج متتبّعة بينهما :
والخلاصة : إنّ الفرق ثلاثة : 1 - إنّ إلههم ثالث ثلاثة ، 2 - إنّ اللّه هو المسيح ابن مريم ، 3 - إنّ المسيح هو ابن اللّه وليس هو اللّه .
والمتأخّرون من النّصارى يقولون بالأقانيم الثّلاثة ، وأنّ كلّ واحد منهما عين الآخر ، فالأب عين الابن وعين روح القدس ، ولمّا كان المسيح هو الابن كان عين الأب وروح القدس أيضا ، وقد ذكرنا فيما سلف أنّ النّصارى أخذوا عقيدة التّثليث من قدماء الوثنيّين .
( 6 : 165 )
محمّد جواد مغنيّه : ( ثالث ) خبر ( انّ ) و ( ثلاثة ) مجرور بالإضافة ، ولا يجوز ( ثلاثة ) بالنّصب على أنّه مفعول ل ( ثالث ) كما يجوز لك أن تقول : ضارب زيدا ، على أن يكون زيد مفعولا ل ( ضارب ) . لا يجوز ذلك في ( ثلاثة ) ؛ إذ يصير المعنى الثّالث جعل الثّلاثة ثلاثة ، وهذا باطل وغير مراد ، لأنّ المعنى المراد واحد من ثلاثة ، لا جاعل الثّلاثة ثلاثة . أجل ، إذا قلت : رابع ثلاثة ، يجوز أن تجرّ « ثلاثة » بالإضافة ، وأن تنصبها مفعولا لرابع ، على معنى جاعل الثّلاثة أربعة . [ إلى أن قال : ]
أنكر سبحانه على النّصارى أوّلا تأليه السّيّد المسيح عليه السّلام ، ثمّ أنكر عليهم في هذه الآية جعلهم اللّه واحدا من ثلاثة ، وقولهم : إنّ اللّه هو الأب ، والمسيح هو الابن ، ثمّ حلّ الأب في الابن واتّحد به فكوّن روح القدس ، وكلّ واحد من هؤلاء الثّلاثة هو عين الآخر ، وهو غيره .
وتقدّم الكلام في ذلك عند تفسير الآية ( 17 ) من هذه السّورة ، والآية ( 171 ) من سورة النّساء .
( 3 : 103 )
الطّباطبائيّ :
ثالِثُ ثَلاثَةٍ
أي أحد الثّلاثة :
الأب والابن والرّوح ، أي هو ينطبق على كلّ واحد من الثّلاثة ، وهذا لازم قولهم : إنّ الأب إله ، والابن إله ،