تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 490

مساهمون:

ص٤٩٠
[ إلى آخر ما تقدّم عنه ] . فكان هو وكثير من المفسّرين والمؤرّخين المتقدّمين يرون - بحسب معرفتهم بحال نصارى زمنهم وما يروون عمّن قبلهم - أنّ الّذين يقولون من النّصارى : إنّ إلههم ثالث ثلاثة ، هم غير الفرقة الّتي تقول منهم : إنّ اللّه هو المسيح بن مريم ، وأنّ ثمّ فرقة ثالثة تقول : إنّ المسيح هو ابن اللّه وليس هو اللّه ، ولا ثالث ثلاثة . وأمّا النّصارى المتأخّرون فالّذي نعرفه منهم وعنهم أنّهم يقولون بالثّلاثة الأقانيم ، وبأنّ كلّ واحد منها عين الآخر ؛ فالأب عين الابن وعين روح القدس . ولمّا كان المسيح هو الابن كان عين الأب وروح القدس أيضا . ومن العجيب أنّ بعض متأخّري المفسّرين ينقلون أقوال من قبلهم في أمثال هذه المسائل ويقرّونها ، ولا يبحثون عن حال أهل زمنهم ، ولا يشرحون حقيقة عقيدتهم . وقد سبق لنا بيان عقيدة التّثليث ، وكون النّصارى أخذوها عن قدماء الوثنيّين ، فارجع إلى تفسير
وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ
في أواخر سورة النّساء « ص : 86 - 95 ج : 6 تفسير » وبيّنّا قبيلها عقيدة الصّلب والفداء ( ص : 23 - 55 ج : 6 تفسير ) ثمّ بيّنّا عقيدة التّثليث في تفسير الآية ( 19 ) من هذه السّورة ( ص : 307 ج 6 : تفسير ) . قال تعالى ردّا عليهم :
وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ
أي قالوا قولهم هذا بلا رويّة ولا بصيرة ، والحال أنّه ليس في الوجود ثلاثة آلهة ولا اثنان ولا أكثر من ذلك ، لا يوجد إله مّا إلّا إله متّصف بالوحدانيّة ، وهو اللّه الّذي لا تركيب في ذاته ولا تعدّد . وهذه العبارة أشدّ تأكيدا لنفي تعدّد الإله من عبارة : لا إله إلّا إله واحد ، لأنّ ( من ) بعد ( ما ) تفيد استغراق النّفي وشموله لكلّ نوع من أنواع المتعدّد وكلّ فرد من أفراده ، فليس ثمّ تعدّد ذوات وأعيان ، ولا تعدّد أجناس أو أنواع ، ولا تعدّد جزئيّات أو أجزاء . والنّصارى قد اقتبسوا عقيدة التّثليث عمّن قبلهم ولم يفهموها ، وعقلاؤهم يتمنّون لو يقدرون على التّفصّي منها ، ولكنّهم إذا أنكروها بعد هذه الشّهرة تبطل ثقة العامّة بالنّصرانيّة كلّها ، كما قال أحد عقلاء القسوس لبعض أهل العلم العصريّ من الشّبّان السّوريّين . ومن الغريب أنّهم يعترفون بأنّ هذه العقيدة لا تعقل ، ولكن بعضهم يحاول تأنيس النّفوس بها ، بضرب أمثلة لا تصدق عليها ، ككون الشّمس مركّبة من الجرم المشتعل والنّور والحرارة ، قال الشّيخ ناصيف اليازجيّ :
نحن النّصارى آل عيسى المنتمي * حسب التّأنّس للبتولة مريم
فهو الإله ابن الإله وروحه * فثلاثة في واحد لم تقسم
للأب لا هوت ابنه وكذا ابنه * وكذاهما والرّوح تحت تقنّم
كالشّمس يظهر جرمها بشعاعها * وبحرّها والكلّ شمس فاعلم
فهو يقول : إنّ ربّهم جوهر له أعراض كسائر الجواهر والأجسام ، ولكنّ العرض ليس عين الذّات . فحرارة الشّمس ليست شمسا ، ولا هي عين الجرم