النّسفيّ : أي ثالث ثلاثة آلهة ، والإشكال أنّه تعالى قال في الآية الأولى
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ
المائدة : 73 ، وقال في الثّانية :
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ .
والجواب : أنّ بعض النّصارى كانوا يقولون : كان المسيح بعينه هو اللّه ، لأنّ اللّه ربّما يتجلّى في بعض الأزمان في شخص ، فتجلّى في الوقت في شخص عيسى ، ولهذا كان يظهر من شخص عيسى أفعال لا يقدر عليها إلّا اللّه ، وبعضهم ذهبوا إلى آلهة ثلاثة : اللّه ومريم والمسيح ، وأنّه ولد اللّه من مريم . و ( من ) في قوله :
وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ
للاستغراق ، أي وما إله قطّ في الوجود إلّا إله موصوف بالوحدانيّة ، لا ثاني له ، وهو اللّه وحده لا شريك له . ( 1 : 295 )
أبو حيّان : [ نحو الفخر الرّازيّ وأضاف : ]
ولا يجوز في العربيّة في ( ثالث ثلاثة ) إلّا الإضافة ، لأنّك لا تقول : ثلثت الثّلاثة . وأجاز النّصب في الّذي يلي اسم الفاعل الموافق له في اللّفظ أحمد بن يحيى ثعلب ، وردّوه عليه ، جعلوه كاسم الفاعل مع العدد المخالف ، نحو رابع ثلاثة ، وليس مثله إذ تقول : ربعت الثّلاثة أي صيّرتهم بك أربعة . ( 3 : 535 )
أبو السّعود : شروع في بيان كفر طائفة أخرى منهم ، ومعنى قولهم : ثالث ثلاثة ورابع أربعة ، ونحو ذلك أحد هذه الأعداد مطلقا ، لا الثّالث والرّابع خاصّة ، ولذلك منع الجمهور أن ينصب ما بعده بأن يقال : ثالث ثلاثة ورابع أربعة . وإنّما ينصبه إذا كان ما بعده دونه بمرتبة ، كما في قولك : عاشر تسعة وتاسع ثمانية .
قيل : إنّهم يقولون : إنّ الإلهيّة مشتركة بين اللّه سبحانه وتعالى وعيسى ومريم ، وكلّ واحد من هؤلاء إله ، ويؤكّده قوله تعالى للمسيح :
أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ؟
المائدة : 116 ، فقوله تعالى :
ثالِثُ ثَلاثَةٍ
أي أحد ثلاثة آلهة ، وهو المتبادر من ظاهر قوله تعالى :
وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ .
( 2 : 305 )
نحوه الآلوسيّ . ( 6 : 207 )
القاسميّ :
إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ
أي أحد ثلاثة آلهة ، بمعنى واحد منها ، وهم اللّه ومريم وعيسى .
قال بعضهم : كانت فرقة منهم تسمّى « كولى رى دينس » تقول : الآلهة ثلاثة : الأب والابن ومريم .
وجاء في كتاب « علم اليقين » : أنّ فرقة منهم تسمّى « المريميّين » قال : يعتقدون أنّ المريم والمسيح إلهان . قال :
وكذلك البربرانيّون وغيرهم ، انتهى .
وأسلفنا عن ابن إسحاق أنّ نصارى نجران ، منهم من قال بهذا أيضا .
أو المعنى : أحد ثلاثة أقانيم ، كما اشتهر عنهم . أي هو جوهر واحد ، ثلاثة أقانيم : أب وابن وروح القدس .
وزعموا : أنّ الأب إله ، والابن إله ، والرّوح إله ، والكلّ إله واحد . كما قدّمنا عنهم في قوله تعالى :
وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ
النّساء : 171 .
قال الرّازيّ رحمه اللّه : واعلم أنّ هذا معلوم البطلان ببديهة العقل ، فإنّ الثّلاثة لا تكون واحدا ، والواحد لا يكون ثلاثة . ولا يرى في الدّنيا مقالة أشدّ فسادا وأظهر بطلانا من مقالة النّصارى ، انتهى .