الحمراء ، وهذه الأشياء الثّلاثة تختلف الواحدة منها عن الأخرى من حيث النّظرة العلميّة ، وهي ليست بمجموعها شيئا واحدا من خلال هذه النّظرة .
وإذا صحّ القول بأنّ هذه الأشياء الثّلاثة شيء واحد ، إنّما يكون ذلك من باب التّسامح ، أو التّعبير المجازيّ ليس إلّا .
والأوضح من ذلك مثال الجسم والمرايا الثّلاث ، فالصّورة الموجودة في المرايا عن الجسم ليس إلّا انعكاسا للنّور ، وبديهيّ أنّ انعكاس النّور عن جسم معيّن غير ذات الجسم ، وعلى هذا الأساس فليس هناك أيّ اتّحاد حقيقيّ أو ذاتيّ بين الجسم وصورته المنعكسة في المرآة ، وهذه قضيّة يدركها حتّى الدّارس المبتدئ لعلم الفيزياء .
أمّا في مثال المثلّث فالأمر واضح كما في المثالين السّابقين ؛ حيث إنّ زوايا المثلّث المتعدّدة لا علاقة لها بالبداهة بالامتداد الدّاخليّ الحاصل للزّوايا ، والّذي يوصلها جميعا إلى نقطة واحدة .
والّذي يثير العجب أكثر من ذلك ، هو محاولة بعض المسيحيّين المستشرقين مطابقة قضيّة « التّوحيد في التّثليث » مع نظريّة « وحدة الوجود » الّتي يقول بها الصّوفيّون « 1 » . والأمر الواضح من غير دليل في هذا المجال ، هو أنّنا لو قبلنا بالنّظريّة الخاطئة والمنحرفة القائلة بوحدة الوجود ، لاقتضى ذلك منّا أن نذعن بأنّ كلّ موجودات العالم أو الكون هي جزء من ذات اللّه سبحانه وتعالى ، بل الإذعان بأنّها هي عين ذاته .
وعند ذلك لا يبقى معنى للتّثليث ، بل تصبح جميع الموجودات - صغيرها وكبيرها - جزء أو مظهرا للّه سبحانه ، وعلى هذا الأساس فلا يمكن أن تتطابق نظريّة التّثليث المسيحيّة بالنّظريّة الصّوفيّة القائلة بوحدة الوجود بأيّ شكل من الأشكال ، علما بأنّ النّظريّة الصّوفيّة هذه قد دحضت وبان بطلانها .
6 - يقول بعض المسيحيّين أحيانا : إنّهم حين يسمّون المسيح عليه السّلام ب « ابن اللّه » إنّما يفعلون ذلك كما يفعل المسلمون في تسمية سبط الرّسول صلّى اللّه عليه وآله الحسين بن عليّ ابن أبي طالب عليه السّلام ب « ثار اللّه وابن ثاره » ، أو كالتّسمية الّتي وردت في بعض الرّوايات لعليّ بن أبي طالب عليه السّلام حيث سمّي فيها ب « يد اللّه » ، وهؤلاء المسيحيّون يفسّرون كلمة « ثار » بأنّها تعني الدّم ، أي أنّ العبارة الواردة في الحسين الشّهيد عليه السّلام تعني « دم اللّه وابن دمه » .
إنّ هذا الأمر هو عين الخطأ :
أوّلا : لأنّ العرب لم تطلق كلمة الثّأر أبدا لتعني بها الدّم ، بل اعتبرت الثّأر دائما ثمنا للدّم ، ولذلك فإنّ معنى العبارة أنّ اللّه هو الّذي يأخذ ثمن دم الحسين الشّهيد ، وأنّ هذا الأمر منوط به سبحانه وتعالى ، أي أنّ الحسين عليه السّلام لم يكن ملكا أو تابعا لعشيرة أو قبيلة معيّنة لتطالب بدمه ، بل هو يخصّ العالم والبشريّة جمعاء ويكون تابعا لعالم الوجود وذات اللّه المقدّسة ، ولذلك فإنّ اللّه هو الّذي يطالب ويأخذ ثمن دم هذا الشّهيد ، فإنّ الحسين هو ابن عليّ بن أبي طالب عليه السّلام الّذي استشهد في سبيل اللّه ، واللّه هو الّذي يطالب ويأخذ ثمن دمه أيضا .
هامش
( 1 ) المراد بوحدة الوجود عند الصّوفيّة ، هي وحدة الموجود ، ويستدلّون بها على أنّ الوجود ليس أكثر من واحد يظهر في صور مختلفة ، وإنّ هذا الواحد هو اللّه .